قمنا بتقديم الطلب الرسمى - الذى قمنا بنشره فى المقال السابق - لاستعادة رأس الملكة نفرتيتى، إلى الحكومة الألمانية فى يناير عام 2011. ولم نتوقع أن يأتى الرد الألمانى على الطلب الرسمى فى 31 يناير 2011، بأنه لا بد وأن يتم توقيعه من الوزير المختص فى مصر! وفى ذلك الوقت العصيب كان قد تم تعيينى وزيرًا للآثار، وكانت هذه أول مرة يتم فيها عمل وزارة خاصة بالآثار. ولكن خلال تلك الفترة كانت الاضطرابات فى كل مكان، ولم يكن هناك وقت لكى أقوم بإرسال خطابًا آخر موقعًا منى لاسترداد الملكة نفرتيتى.
وبعد أن تركت عملى الحكومى، وجدت أنه من الضرورى أن نعيد صياغة المطلب المصرى ليس فقط برأس الملكة نفرتيتى، ولكن ليشمل كذلك المطالبة بعودة حجر رشيد من المتحف البريطانى، وسقف القبة السماوية من متحف اللوفر، وكلاهما ضمن أبرز ما تم نهبه من مصر، ولهما إلى جانب رأس نفرتيتى أهمية وقيمة استثنائية عظيمه.
ولذلك قمت بعمل وثيقتان، الأولى خاصة بعودة حجر رشيد والقبة السماوية، وقد وقع عليها حوالى 400 ألف شخص حول العالم. وكان من المثير أن من وقع على تلك الوثيقة من الأجانب أكثر من المصريين. ويجب أن نذكر بأنه كان هناك فرق متطوعة من الشباب المصرى يرغبون فى الذهاب إلى المتاحف ومناطق الآثار للحصول على توقيع الشباب وكل من يزور هذه المواقع.
وعندما أعلنت عن تأسيس مؤسسة زاهى حواس للآثار والتراث، نشرت وثيقة أخرى خاصة فقط بعودة رأس نفرتيتى. أما عن سبب تأسيس تلك المؤسسة فهو أن العالم كله يتقدم بالفنون والثقافة، من خلال الرعاة والعمل التطوعى. وموضوع التبرع موجود فى العالم كله ويتم الأمر من خلال قوانين وقواعد حاكمة. وللأسف لا يزال الطريق طويلاً فى بلدنا مصر لزرع مفهوم التبرع والتطوع لنهضة الفنون والثقافة، وذلك على الرغم من أننا كنا فى مصاف الدول المتقدمة فى الصرف على الفنون والثقافة من خلال الرعاة والطبقة المثقفة.
وخلال الحملة التى تمت لاستعادة رأس نفرتيتى اصطدمنا بـ ديتريش فيلدونج، مدير متحف برلين السابق، وكان شخصًا متعنتًا معارضًا فى موضوع عودة الرأس، ووصل الأمر بينى وبينه إلى طريق مسدود. وكان الوزير محمد العرابى - سفير مصر فى ألمانيا فى ذلك الوقت – سعيداً بوجود حملة استعادة الملكة نفرتيتى لكنه كان دائماً ما يحث على الالتزام باللهجة الدبلوماسية فى تقديم المطالب للحكومة الألمانية.
وعندما أقمنا معرض «ملوك الفراعنة» فى ألمانيا، زار الرئيس الراحل حسنى مبارك وحرمه السيدة سوزان مبارك، مع رئيس ألمانيا وحرمه، المعرض، بالإضافة إلى العديد من كبار المسؤولين والعلماء المصريين. وطلب الرئيس حسنى مبارك أن ألقى كلمة فى الافتتاح، ولذلك ارتجلت الكلمة وتحدثت عن المعرض وعن نفرتيتى. وقلت مداعباً الحضور بأننى أرجو من الرئيس مبارك أن يطلب من رئيس ألمانيا أن يساعدنا فى عودة نفرتيتى.
ستستمر حملة المطالبة بعودة نفرتيتى، خاصة وأن القيادة السياسية فى مصر تدعم المطالبة بعودة كل أثر مصرى يثبت خروجه من مصر بطرق غير شرعية. لقد حاولت مصر طيلة عقود ماضية استعاده نفرتيتى بعد أن تيقن الجميع أنها قد خرجت من مصر بطريقة غير أخلاقية، وغير قانونية. وقد حان الوقت لعودة نفرتيتى إلى وطنها.
ومن أجل مناقشة هذا الأمر بشكل جدى، ومن أجل تكرار ما كنت قد ذكرته سابقًا، هناك بعض النقاط الأساسية التى تدعم مجهوداتنا لعودة الرأس، وهي:
- هناك دليل واضح على أن لودفيج بورخارت، مكتشف الرأس، حاول الاستيلاء عليها، واستطاع أن يقوم بكل ما فى وسعه لكى يحافظ على سر وجودها بعيدًا عن السلطات أطول وقت ممكن.
- لقد قام بورخارت بالإسراع فى عملية قسمة الأثار مع المتحف المصرى، وبالضغط على السلطات للقيام بهذا بعد شهر فقط من الكشف.
- أثناء عملية التقسيم لم يُظهر بورخارت الرأس، ولكن قدم صورة فوتوغرافية فقط، أما الرأس نفسها فقد كانت معروضة داخل صندوق. وعلى الرغم من أن القطعة كانت مهمة، فإن السيد جوستاف لوفيفر، المسؤول عن إجراء القسمة، لم يرها بالشكل الذى يمكنه من الحكم عليها.
- ذكرت الوثيقة التى تم الاعتماد عليها فى عملية التقسيم، والمعروفة باسم Procès-verbal de partage، الرأس بأنها: «رأس أميرة من الجبس الملون». والحقيقة أن الرأس من الحجر الجيرى المغطى بطبقة من الجبس الملون، وهو ما عرفه بورخارت جيدًا. وكانت هناك اتفاقية أن تأخذ ألمانيا كافة القطع المصنوعة من الجبس إلى برلين. ومن خلال إدراج الرأس ضمن القطع المصنوعة من الجبس، فإن بورخارت قد ضاعف من فرص حصوله عليها باعتبارها قطعة ذات قيمة قليلة، كونها جزءًا من قائمة القطع الممنوحة لمصر.
- مع اعتبار مضمون هذه الاتفاقية وشكلها، فإن عملية التقسيم تمت بصورة غير قانونية.
- بعد أخذ الرأس إلى ألمانيا، استمر بورخارت فى إخفاء الرأس عن الأنظار لعشرة أعوام، حتى عام 1923، حتى لا تتقدم مصر بالمطالبة باستردادها، مع علم السلطات الألمانية بوجود الرأس.
وفى عام 1929 قام هاينريش شيفر Heinrich Schäfer بمحاولة للتوصل إلى إعادة رأس نفرتيتى إلى مصر، ومع عام 1930 تم التوصل إلى اتفاق لتبادل الرأس مقابل عدد من القطع المصرية الأثرية، ولكن لم يُنفذ هذا الاتفاق. ومن الواضح أن رأس نفرتيتى كان دائمًا سببًا فى إثارة الجدل منذ خروجها من مصر.
وما أطلبه من كل المصريين هو دعم حملة استرداد رأس الملكة نفرتيتى التى أنا على يقين تام بأنها يوماً ما ستعود إلى موطنها مصر.