بقلم : مشاري الذايدي
بينما العالم منغمسٌ في أخبار الحروب البرّية والجويّة - والآن البحرية - في شرق الأرض الأوسط، وغيرها من الزوايا، كانت هناك ثُلّة يسيرة من بني الإنسان يحلّقون بعيداً عن «أمّنا الأرض» على ارتفاع قارب طبع قُبلة على وجنات القمر.
نتحدث عن مُهمّة «أرتميس 2» التي أُرسل فيها فريقٌ من العلماء من رواد الفضاء، للدوران حول القمر، الذي قال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي، ذات مساء، وهو يتفحّص ملامح هذا القرص الفضي الساحر:
أَضاءَ لِآدَمَ هَذا الهِلالُ فكيفَ تَقولُ الهِلالُ الوَليد؟!
رائدة الفضاء ضمن هذه البعثة كريستينا كوتش التي تُعدُّ أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من 5 عقود، قالت عبارة ساحرة، وهي تصفُ منظر كوكب الأرض على هذه الارتفاعات الشاهقة بأنّه «قارب نجاة صغير في فضاء مظلم».
ذكّرتني هذه العبارة من رائدة الفضاء كريستينا، بمشهدٍ سينمائي خالد للممثلة الأميركية جودي فوستر، وهي تجسّد شخصية رائدة الفضاء إيلي آروواي، وهي تشاهد مناظر مذهلة للزمن والفضاء في أعماق المجهول البعيد، فقالت: «كان ينبغي عليهم إرسال شاعر وليس أنا»... في فيلم صدر عام 97، واسمه كونتاكت.
بالعودة للواقع، فإنَّ جملة رائدة الفضاء كريستينا هذه تثير الشجَن، وتبعث الأمل في آنٍ واحد!
هل يحتاج البشر للارتفاع عالياً حتى يدركوا وحدة مصيرهم واندماج شؤونهم، وأنه لا ملاذ لهم إلا كوكبهم الأزرق الجميل، السابح في دياجير الظلام البارد المُخيف؟!
الطاقم كشف عن لحظة مؤثرة أخرى خلال الرحلة، عندما بلغوا أقصى مسافة عن الأرض وصلت إلى 252,756 ميلاً، وأطلقوا اسم كارول على إحدى الفوهات القمرية تكريماً لزوجة القائد الراحلة. هل عقَقنا «أمّنا الأرض» أم برَّرناها؟!
هناك يوم دولي خصّصته الأمم المتحدة تحت اسم «أمّنا الأرض» كل يوم 22 أبريل (نيسان) من كل عام، أي بعد 8 أيام من اليوم، لكن الأمم المتحدة حصرت أمومية الأرض وصورة بِرّها في قضية المناخ والبيئة، وهذا على نبله، قصورٌ بيّن في واجب البِرّ، فالكراهيات والحروب المولودة منها، هي من أجلى صور العقوق حِيال أُمّنا الأرض.
لكن كما أنَّ حياة البشر عبر الدهور كشفت لنا عن استمرارية العقوق والقتل منذ قابيل وهابيل، رغم عشرات الأنبياء والرسالات وآلاف النصائح والعِظات... فهي أيضاً - حياة البشر ومسرح الأرض - كانت ميداناً لتناسل الحروب وتكاثر الكراهيات... ويبدو أنَّ ذلك سيظلُّ حالنا حتى يضمحلَّ هذا الكوكب الأزرقُ الكبير ذاتَ فناء، وتتكسر ألواح الزورق، وتتمزَّق أشرعته في ثقب أسود مهول.