بقلم : مشاري الذايدي
هناك منطقة جغرافية لها روحها الخاصّة في هذا العالم؛ فهي مهد الديانات، وموئل الشعوب والحضارات، ومعبر التجارات، ومسرح الحروب والصراعات. إنها ما يُعرَف لدى الغربيين بـ«شرق المتوسط» أو Levant-Levantine، من قبرص وكريت وغيرهما من الجزر/ الدول بشرق البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد الشام قاطبة وجنوب الأناضول، بسواحله المتوسطية.
كان الوصول إلى هذه الموانئ والسيطرة عليها، وعلى ما خلفها من الديار، مفتاحاً استراتيجياً ذهبياً في العالم القديم... والجديد أيضاً.
مع استفحال الحرب الجارية اليوم بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتطاير شرورها وشررها على ديارنا وديار غيرنا، دفعت الدول بأساطيلها الحربية ومقاتلاتها الجوّية، لتأمين النفوذ وحماية المصالح والحلفاء (مثل هدف حماية قبرص التي وصلت إليها نيران إيران).
لدينا أميركا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا واليونان وتركيا، تتزاحم على شرق المتوسط الآن، مع أنها كانت غير غائبة من قبل... لكن زادت الوتيرة مِراراً.
كان الصراع على موارد وحقول الغاز الذهبي الذي سالت خيراته مؤخراً في مياه الأبيض الشرقية، سبباً من أسباب الصراع والتوتر بين عرب البحر الأبيض وتُركه ويونانه، وغيرهم.
الحالُ أن «لعنة المكان» أو نعمته (حسب رُشد البشر) لازمت شرق المتوسط طويلاً، ومنذ لثغة الزمان الأولى، يخبرنا التاريخُ القديمُ مثلاً عن ملك الفرس قمبيز الذي خلف قورش العظيم، قبل الميلاد بـ6 قرون، ليفرض سيطرته على بلاد ما بين النهرين ثم الأناضول فَبَرِّ الشام ومصر.
ثم نطوي الزمن، من أواخر القرن 13 الميلادي إلى أوائل القرن 16 الميلادي؛ حيث شهد شرق المتوسط هذا صراعات عنيدة كان أطرافها مثل الإمبراطورية البيزنطية، والمغول، والمماليك، والعثمانيين... ومن أحداث تلك الحقبة بشرق المتوسط: اجتياح المغول وخواتيم الحروب الصليبية.
يا لهذا الشرق المتوسطي الذي تكسّرت النصالُ فيه على النصال!
استذكرتُ في هذا المعنى رواية شفيفة مُشجية للراحل عبد الرحمن منيف، بعنوان «شرق المتوسط» صدرت 1975، وهي من أدب السجون والمعتقلات، وألحقها بأخرى بعد سنوات طِوال سمّاها «الآن هنا... أو شرق المتوسط مرّة أخرى»، على نفس دربها.
كُتب على غلاف الرواية الأولى: «في زمنٍ ما، وعلى هذه الأرض الغبراء الممتدة إلى ما لا نهاية، من شواطئ المتوسط وحتى الصحراء البعيدة، كانت أشياء كثيرة تحدث، وكانت أشياء كثيرة تمرُّ بصمت. والإنسان على هذه الأرض الغبراء كان يتحدّى».
كم هي مُبتذلة وصادقة هذه الجملة التي تقول إن التاريخ يعيد نفسه، وأنا أقول إن الجغرافيا فوق التاريخ، بل هي والدة التاريخ!