بقلم : مشاري الذايدي
في حديث اليوم من سلسلة «موضع وموضوع» نطوف بتاريخ مركب ومتداخل يفوح علينا من دواوين التواريخ الإسلامية، حديث مدن خراسان وفارس والديلم... إلخ.
هناك مدينة ترد كثيراً في هذه المدونات وهي مدينة الرَّي والنسبة إليها الرازي. وهناك علاقة وثيقة بين الري التاريخية هذه، وبين وليدتها طهران اليوم. الرَّي، توصف في الأدبيات الإيرانية التاريخية بـ«أمّ طهران». طهران في بداياتها كانت ضاحية قريبة من الرَّي على طرق التجارة والعبور جنوب سفوح البرز، وظلت مدةً طويلة أقل شأناً من الرَّي. ويقال إن تسمية الري تعريب لاسم المدينة الفارسي القديم «راغا» وينقل لنا ياقوت الحموي تخريجات عربية طريفة لاسم الري لا ندري عن دقتها.
صارت طهران مقراً للحكم سنة 1786م حين اتخذها آغا محمد خان القاجاري عاصمة، ثم استقرّ كونها العاصمة منذ ذلك الحين.
قبل ذلك كانت شيراز هي العاصمة في الدولة الزندية، وفي العهد الصفوي، تعاقبت عواصم معروفة: تبريز ثم قزوين ثم أصفهان.
سنة 1220م تعرّضت الرّي لدمارٍ كارثي على يد المغول، المدينة دُمّرت تقريباً، وكثير من الناجين انتقلوا إلى طهران القريبة؛ ومع الزمن تراجعت الرَّي وارتفعت مكانة طهران.
هناك بصمات سكانية عربية راسخة في هذه المدينة وكل الإقليم المحيط بها، مع بواكير الفتوحات وما تلاها، وهناك نزاعات كثيرة بين العرب أنفسهم جرت على تلك الربوع، خاصة بين القيسية واليمانية.
تتحدث المصادر عن حضور عربي قوي في الري وإقليمها خاصة ثقيف وبجيلة ليشكّل ذلك «حيّاً/ربعاً» جديداً بجنوب المدينة المحصّنة. والعرب كانوا في الرَّي وإقليم الجبال كله كما كان العرب يدعونه؛ لأن طهران كانت آنذاك ضاحية صغيرة، بينما كانت الرَّي هي المدينة الرئيسة التي تُسجّلها المصادر بوصفها مركزاً للفتح العربي والإدارة. هناك أعلام عرب من هذه المدينة التاريخية ينتهي لقبهم بعد اللقب القبلي بالرازي نسبة للري مثل: الزبير بن عدي الهمداني (اليامي) أبو عدي الكوفي قاضي الري (ت 131هـ)، وعنبسة بن سعيد بن الضريس (الأسدي) أبو بكر الكوفي قاضي الري الّذي روى عن ابن المبارك (ت 181هـ).
وشعيب بن خالد (البجلي) الرازي الذي روى عن الزهري (ت 124هـ) وغيره. وهناك أسر علمية عربية رازية مثل آل أبي حاتم، من علماء الحديث والسنة، وعائلة آل الضريس، وغيرهم.
قصدها لاحقاً للإقامة فيها عدد كثير من العلويين بعد فشل ثوراتهم على الأمويين. خرج منهم فيما بعد من الري الحسن بن زيد إلى طبرستان (جنوب بحر قزوين) وأسس هناك سلالة حاكمة بين 864 و928م.
المهدي العباسي اتخذ من الري مركزاً لحكمه ووُلد له هناك ابنه هارون الرشيد، وفيها بويع حفيده المأمون بالخلافة.
كانت الري مركزاً علمياً تجارياً في العهد العباسي وضمنه العهدان: البويهي والسلجوقي، كان فيها مكتبة عامة عدّها المقدسي «من مفاخر الإسلام».
نشاهد هذه اللوحة الحزينة عندما عبر بها العلامة ياقوت الحموي عام 617هـ منهزماً من التتر، ذكر أن الناس في الري كانوا يسكنون في بيوت تحت الأرض «ودروبهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة، وصعوبة المسلك، فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات، ولولا ذلك لما بقي فيها أحد».
هذه الري، والدة طهران، كانت فبانت، عمرت ثم دثرت، أشرقت ثم غربت، ولكن بعض المواضع أكبر من عوادي الزمن وعدوان الجيوش، مستندة إلى عمق اجتماعي تاريخي واتساع مكاني وكثرة بشرية... حمى الله العباد والبلاد في إيران وغيرها.