بقلم : مشاري الذايدي
الحروب بيئة مثالية لكثيرٍ من الأشياء السيئة، وقليلٍ من الأشياء الجيّدة.
من تلك الأشياء السيئة، سرعة انتشار الأفكار الخرافية، والإشاعات غير العلمية المتجرّدة من ملابس البرهان، والتي انتشرت في أجواء الحرب الجارية حالياً في الخليج العربي، وإيران، والشرق الأوسط، ودخول أميركا الكبير، القولُ بأن السُحب عادت، والأمطار هلّت على المنطقة بسبب انشغال أميركا بالحرب عن سرقة السُّحب!
لأي إنسان «نظيف» العقل يبدو هذا الكلامُ ضرباً من الهراء، لكن حين تتابع الحكاية تجد أن جماهير غفيرة تقول هذا الكلام، وتصدّقه، وتصدّق من ينظّر له.
هذه الخرافة لاحقها فريق التحقيقات في «بي بي سي» المكون من: ماركو سيلفا، ولميس الطالبي، وغيرهما، وخرجوا بعجائب، أبدأ بأظرفها:
النائب العراقي عبد الله الخيكاني في مقابلة على قناة «الرشيد» زعم أن تركيا وإيران المجاورتين «قدّمتا شكاوى» بشأن ما وصفه بجهود أميركية لـ«تفكيك وسرقة الغيوم» باستخدام الطائرات.
الخيكاني واثق غاية الوثوق -كأنه كان على متن السحاب-، فواصل الزعمَ بإنّ الأمطار عادت إلى العراق في الأيام والأشهر الأخيرة، لأن «الولايات المتحدة كانت منشغلة بالحرب في إيران».
عامر الجابري، المتحدث باسم هيئة الأرصاد الجوية العراقية، وصف هذه المزاعم بأنها «غير علمية، ولا منطقية»، مضيفاً أنه في سبتمبر (أيلول) العام الماضي -أي قبل أشهر من اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)- رُصدت توقعات بأن عام 2026 سيكون عاماً ممطراً في العراق.
لم يقف الأمرُ عند خيكاني العراق، بل وصل لخيكانيٍّ ما في تركيا، حيث بلغ منشور تركي أكثر من مليون مشاهدة، زعم فيه كاتبه أن الأمطار تهطل في تركيا «بلا توقف»، لأن المجال الجوي أُغلق بسبب الحرب، ما منع الولايات المتحدة من «سرقة الغيوم».
هذه الخرافات لا تحفل بالعلم، ولا تقيم وزناً للأرقام، والحقائق، ففي تقارير أهل العلم أن مُعدّل الهطول الناتج عن تقنية الاستمطار لا يزيد، في أحسن أحواله، عن 15 في المائة، بينما الهاطل على العراق وإيران وكل المنطقة أزيد من ذلك بكثير، ناهيك أنه قد صدر بيانٌ مناخيٌ العامَ الماضي يخبر بأن ذلك سيحصل هذا العام... لا شأن للحرب، وأميركا، وإيران، وتركيا، وإسرائيل، والجنّ الأزرق بذلك.
لماذا هذا النزوع الجماعي للانتحار العقلي؟!
الدكتورة سارة سميث، الباحثة في فيزياء المناخ في جامعة أكسفورد تقول في هذا التحقيق: «التعقيد، وعدم اليقين عاملان يجذبان التفكير التآمري؛ فالناس يملأون الفجوات بتفسيرات بسيطة، ومُرضية، لكنهم بذلك لا يفهمون القصة الحقيقية».
مثال سرقة الغيوم ليس إلا حكاية صغيرة ضمن عشرات الحكايات من خرافات الشعوب في عصر الديجتال.