البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

 العرب اليوم -

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ

بقلم : تركي الدخيل

يَقولُ الفَرَزْدَقُ:

وَلَوْ كَانَ البُكَاءُ يَرُدُّ شَيئاً

عَلَى البَاكِي بَكَيتُ عَلَى صُقُورِي

بَنِيَّ أَصَابَهُمْ قَدَرُ المَنَايَا

فَهَلْ مِنْهُنَّ مِنْ أَحَدٍ مُجِيرِي

وَلَوْ كَانُوا بَني جَبَلٍ فَمَاتُوا

لَأَصْبَحَ وَهْوَ مُخْتَشِعُ الصُّخُورِ

إِذَا حَنَّت نَوَارُ تَهِيجُ مِنِّي

حَرَارَةَ مثْلِ مُلْتَهِبِ السَّعِيرِ

حَنِينَ الوَالِهَينَ إِذَا ذَكَرْنَا

فُؤَادَينَا اللَّذَينِ مَعَ القُبُوْرِ

كَلَيلِ مُهَلْهِلٍ لَيلِي إذا مَا

تَمَنَّى الطُّوْلَ ذُو اللَّيلِ القَصِيرِ

وَكَيفَ بِلَيلَةٍ لَا نَوْمَ فِيهَا

وَلَا ضَوْءٍ لِصَاحِبِهَا مُنِيرِ

هذه أبياتٌ يَرْثِي فيهَا الفَرزدَقُ، الذي وُلد عام 38 هجرية - 658 ميلادية، وتوفي عام 110 هجرية - 728 ميلادية، الشَّاعِرُ المَشهُورُ بَنِيهِ، حيثُ رُزِءَ بِرحِيلِ أَربَعةٍ مِنْ أوْلَادِهِ.

يَقولُ: لَوْ أَنَّ البُكَاءَ يَرُدُّ للبَاكِي شَيئاً، لَبَكَيْتُ عَلَى أبْنَائِي الّذِينَ فَقَدْتُهُمْ.

وَقَوْلُهُ: شَيْئاً: أَيْ: أَيَ شيءٍ كَانَ، وَلوْ كَانَ قَلِيلاً. يُريدُ: لَو رَدَّ البكاءُ أَيَّ شيءٍ مَهْمَا قَلَّ، وليسَ بِالضَّرورةِ أنْ يكونَ ما يردُّهُ البُكَاءُ الفقيدَ المُبْكَى عليه، لبَكَيتُ.

صقوري: أرادَ بصقورِه أبناءَهُ، وسَمَّاهُم صقوراً تأكيداً علَى قِيمتِهمْ عندَه، حيث كَانتِ العَرَبُ تُقَدّرُ الصُّقُورَ، لقيمتِهَا عِندَ الصَّيَّاد.

المنايَا: جمعُ مَنِيَّةٍ، وَهيَ المَوتُ. وَأَرَاد: أنَّ أقدارَ المَوتِ المكتوبةَ في الآجَالِ حَلَّتْ فَنَزَلَ المَوْتُ بأولَادِه الأرْبعَة، ثُمَّ يتساءلُ فِي عَجزِ البَيتِ سُؤالاً لَا يَنتظرُ لَهُ جَوَاباً، فَالتَّسَاؤُلُ هُنَا إنْكَارِيٌّ وَيَحمِلُ تأكِيدَ النَّفْي مُضْمَراً فِي طَيَّاتِه: فَهَلْ مِنهُنَّ مِنْ أَحَدٍ مُجِيرِي؟ أيْ لَا أحَدَ يُجِيرُنِي مِنْ أقْدَارِ المَوْتِ إذَا حَلَّ وَقتُها!

ثُمَّ يَقُولُ لِبَيَانِ هَولِ الفَادِحَةِ عَلَيهِ وَعِظَمِ المُصِيبَةِ: لَوْ أَنَّ جَبَلاً مَاتَ لَهُ أبْنَاءٌ مِثلَ أبنائِي، لَبَلَغَ بِالجَبَلِ التَّأَثُّرُ أَنْ لَانَتْ صُخُورُهُ وَرَقَّتْ لِهَوْلِ المُصَابِ.

مُختشعٌ: المُختشعُ هو اللَّازقُ بالأرْضِ، كَمَا يَقولُ مُحمَّدٌ بنُ حَبيب، فِي شَرْحِهِ بيتَ جَرِير، القَائلِ:

لَولَا الحَيَاءُ لَهَاجَ الشَوقُ مُختشعٌ

مِثلَ الحَمَامَةِ مِنْ مُستَوقدِ النَّارِ

ثُمَّ يتحدَّثُ الفَرزدَقُ عن زَوجتِهِ نَوَار وَحُزْنِهَا عَلَى بَنِيهَا، فَيقولُ إنَّهَا إذَا بَكَتْ عَلَيهمْ هَيَّجَتْ أحْزَانَه، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلكَ، بِقَولِه: حَنَّتْ: يُرِيدُ بِحنينِهَا البُكَاءَ، وَالَّذِي عَادةً مَا يَكونُ مَصْحُوباً بِحَنِينٍ وَأَنِينٍ. فَهيَ تُهيّجُهُ بِبُكَائِهَا فَتُلْهِبُ أَحْشَاءَهُ.

وَفِي البَيْتِ التَّالِي يُبَيّنُ أنَّ هذَا الحَنِينَ الَّذِي يَحنُّهُ هُوَ وَزَوجَتُهُ هُوَ حَنِينُ الوَالِهِينَ.

وَيَقصِدُ بالوَالِهِينَ: المُفْجَعِينَ الثَّاكِلِينَ. وَأَصْلُهَا فِي النَّاقَةِ إذَا فَقَدَتْ وَلِيدَهَا.

يَقولُ إنَّهُ وَزَوْجَتَهُ يُصبحَانِ فِي حُزْنِهِمَا عَلَى بَنِيهِمَا يَبْكِيَانِ كَالمُفْجَعَينِ الثَّاكِلَينِ، كُلَّمَا تَذَكَّرَا قَلْبَيهمَا اللذين باتا يَعيشانِ مَعَ القُبُورِ الّتِي دُفن فِيهَا المَفْقُودُونَ مِنَ الأبْناءِ.

وَيتحدَّثُ فِي البَيْتِ التَّالِي عَنْ لَيْلِهِ، حيثُ يَنفَرِدُ فِيهِ بِأَحْزَانِهِ، فَيُشَبّهُ لَيْلَهُ الطَّوِيلَ بِلَيْلِ المُهَلْهلِ الَّذِي كَانَ يَبْكِي أَخَاه. فَكيفَ تَكونُ لَيلةٌ لَا يَنامُ فِيهَا صَاحِبُهَا، وَكَيفَ يَنَامُ مَنْ مَلَأَ الحُزْنُ قَلْبَه؟ بلْ كَيْفَ تَكُونُ لَيْلَةٌ لَا يَأتِي صَبَاحٌ يُؤذنُ بِنِهَايَتِهَا، لِطُولِهَا؟

وَمِنَ الجَمِيلِ أنَّ قَولَ الشَّاعِرِ عَنِ اللَّيْلَةِ: وَلَا ضوءٍ لِصَاحِبِهَا مُنِيرِ، اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ اثْنَيْنِ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ...

أَوَّلُهُمَا: مَا سَبَقَ شَرْحُهُ، وَهُوَ أنَّ اللَّيْلَةَ لَا ضَوءَ يُنْهِيهَا بِانْبِلَاجِ الصَّبَاح.

وَثَانِيهِمَا: أنَّ مَا أَطْبَقَ عَلَى فُؤَادِ صَاحِبِ اللَّيْلَةِ مِنْ آلَامِ الفَقْدِ، وَجُرُعَاتِ الأَحْزَانِ، لوَّنَ حَيَاتَهُ بِظَلَامٍ دَامِسٍ، لَيْسَ فِيهِ وَلَا مَعَهُ ضَوْءٌ وَلَا نُور.

خُلَاصَةُ الأَبْيَاتِ أَنَّ البُكَاءَ لَا يَرُدُّ الأَمْوَاتَ، وَفِي ذَلكَ يَقُولُ المُتَنَبّي:

فَإِنْ صَبَرْنَا فَإِنَّنَا صُبُرٌ وَإِنْ بَكَينَا فَغَيرُ مَرْدُوْدِ

arabstoday

GMT 07:42 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

حقد إيران على الجامعة الأميركيّة

GMT 07:40 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

يكذبون علينا ونصدقهم!

GMT 07:35 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 07:33 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

وَلَكِنَّمَا وَجْهُ الكَرِيمِ خَصِيبُ

GMT 07:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 07:22 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 07:18 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 07:14 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ



GMT 10:14 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027
 العرب اليوم - إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027

GMT 05:47 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

عمرو دياب يحضر لألبوم المقرر طرحه خلال صيف 2026

GMT 13:11 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

مظاهرات سورية حاشدة رفضاً لقرار إعدام الأسرى

GMT 13:18 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

ناسا تعود برحلات مأهولة نحو القمر بعد 50 عامًا

GMT 13:14 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

ارتفاع أسعار النفط فى أعقاب كلمة ترامب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab