عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

 العرب اليوم -

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

بقلم : تركي الدخيل

عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِـسَانِ وَلَو كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ

وَلِلهِ سِــرٌّ فِـي عُـلَاكَ وَإِنَّـمَـا كَـلَامُ العِـدَى ضَـرْبٌ مِـنَ الـهَـذَيَـانِ

وَيُرْوَى عَجْزُ البَيْتِ الأَوَّلِ: (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ)، كَمَا عِنْدَ الوَاحِدِي فِي شَرْحِ دِيوَانِ المُتَنَبِّي.

«القَمَرَانِ»: هُمَا الشَّمْسُ والقَمَرُ، غُلِّب أَخَفُّ الاسْمَيْنِ فَجُمِعَا بِهِ، وَهْوَ القَمَر. وِمثْلُهُ جَمْعُهُمْ لِأَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَلَى: «العُمَرَيْنِ»، تَغْلِيبًا لِلَأَخَفِّ نُطْقًا، لَا لِلْأَعْلَى مَكَانَةً.

يَقُولُ الفَرَزْدَقُ:

أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيكُمُ لَنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوالِعُ

«الْهَذَيَانُ»: كَلَامٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ مِثْلُ كَلَامِ الْمَعْتُوهِ. هَذَى يَهْذِي هَذْيًا وَهَذَيَانًا: تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فِي مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَى إِذَا هَذَرَ بِكَلَامٍ لَا يُفْهَمُ، وَهَذَى بِهِ: ذَكَرَهُ فِي هُذَائِهِ، وَالْاسْمُ مِنْ ذَلِكَ الْهُذَاءُ. وَرَجُلٌ هَذَّاءٌ وَهَذَّاءَةٌ: يَهْذِي فِي كَلَامِهِ أَوْ يَهْذِي بِغَيْرِهِ. «لِسَانُ العَرَب».

وَبَيْتَا المُتَنَبّي ذهَبَ كَثِيرٌ من شُرَّاحِهِمَا إلَى أَنَّهُمَا مِنَ المَدْحِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الذََّم، أو كَمَا يُقالُ فِي كُتُبِ البَلَاغَة: «المَدْحُ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ»، فَهُوَ مِنْ الكَلَامِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، المَدحَ وَالذَّمّ. وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيّ ﷺ، القَائِلُ: «... إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئت»! وَالمَعْنَى الأَوَّلُ: إذَا لَمْ يَمْنَعْكَ الحَيَاءُ فَإِنَّكَ مُرْتَكِبٌ أَفْعَالاً لَا حَيَاءَ لِأَهْلِهَا. وَالمَعْنَى الثَّانِي: إذَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يَسْتَحِي مِنْهُ الخَلْقُ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ مِنَ الأفعال التي لا يستحيا منها.

قَالَ ابْنُ جِنِّي، فِي «الفَسْرُ الكَبِير»:

«وهَذَا مَدْحٌ كَمَا تَرَاهُ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُنْقَلَ هِجَاءً، فَكَأنَّهُ قَالَ: أَنْتَ سَاقِطٌ رَذْلٌ، والسَّاقِطُ لا يُضَاهِيهِ ويُعَادِيهِ إلَّا مِثْلُهُ، فَإذَا كَانَ مُعَادِيكَ مِثْلَكَ فَهُو مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِسَانٍ، كَمَا أنَّكَ كَذَلِكَ، ولَو عَادَاكَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَسَقَطَتَا بِمُسَاجَلَتِهِمَا إيَّاكَ، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ بَعْدُ؟

وَلِلهِ سِرٌّ فِي عُلَاكَ وَإِنَّمَا كَلَامُ العِدَى ضَـرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ

هَذَا مِمَّا يُقْلَبُ هِجَاءً عن قُرْبٍ لا مَحَالَةَ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ إلَّا إلَى أنَّهُ أَرَادَ أنْ يَغِيظَ بِكَ الأحْرَارَ».

وَقَالَ الوَاحِدِي:

«مَنْ عَادَاكَ دَلَّ علَى جَهَالتِه، وسَقَطَتْ منزلَتُهُ عِنْدَ النَّاس، حتَّى ذَمَّهُ كُلُّ أحَدٍ. وَلَوْ كَانَ القَمَرَانِ مِنْ أعدائِكَ لصَارَا مَذْمُومَيْنِ، مَعَ عُمُومِ نَفْعِهِمَا، وَارْتِفَاعِ منزلَتِهِما.

ولِله سِرٌّ فِي عُلَاكَ وإِنََّمَا كَلامُ العِدَى ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ

يَقُولُ: للَّهِ تَعَالَى سِرٌّ فِيمَا أَعْطَاكَ مِنَ العُلُوِّ والبَسْطَةِ، لا يطَّلِعُ النَّاسُ علَى ذَلِكَ

السِّرِّ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ. وَمَا يَخُوضُ الأَعْدَاءُ فِيهِ مِنَ الكَلَامِ فيكَ، نَوعٌ مِن الهَذَيَان، بعدَ أنْ أرَادَ اللَّهُ فِيكَ مَا أَرَادَ. وَهَذَا إلَى الهِجَاءِ أقرَبُ؛ لأنَّه نَسَبَ عُلُوَّهُ عَلَى النَّاسِ إلَى قَدَرٍ جَرَى بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، والقَدَرُ قد يُوافِقُ بعضَ النَّاسِ فيَعْلُو وَيَرْتَفِعُ عَلَى الأَقْرَانِ، وإنْ كَانَ سَاقِطًا بِاتّفَاقٍ مِنَ القَضَاءِ».

قُلْتُ: بَيْنَ مَدَائِحِ أَبِي الطََّيِّب فِي كَافُور الإِخْشِيدي، مَا كَانَ مَدْحًا يَسْتَبْطِنُ ذمًّا، لَكِنَّ شُرَّاحَ دِيوَانِ المُتَنَبِّي قَدْ بَالَغُوا وَذَهَبُوا بَعِيدًا فِي المَوْضُوعِ، حتَّى تَمَحَّكُوا فِي تَحْوِيلِ المَدِيحِ هِجَاءً، وَاللهُ أَعْلَم.

arabstoday

GMT 05:30 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

بقلم صاحب التوقيع

GMT 05:29 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الشوالي يحدثنا عن إنجاز عربي مونديالي

GMT 05:27 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

رجوع لبنانَ إلى أهله

GMT 05:25 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

زمن التلاعب بالاستقلال

GMT 05:23 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

إنه «اتفاق إطار»... لبدء مفاوضات شاقة

GMT 05:20 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

المونديال... أميركا من الهامش إلى الواجهة

GMT 05:18 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ



كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - العرب اليوم

GMT 07:27 2026 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

أبوظبي ثامن أكثر مدن العالم ترحيبًا بالزوار

GMT 18:05 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

مصرع 11 شخصا في تحطم طائرة مدنية شرقي فرنسا

GMT 16:18 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

عواصف قوية تخلف قتيلا وأضرارا واسعة في بلجيكا

GMT 01:37 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال فنزويلا إلى 1450 قتيلًا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab