فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقفٌ للهِ

فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: وَقفٌ للهِ

فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: وَقفٌ للهِ

 العرب اليوم -

فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقفٌ للهِ

بقلم : تركي الدخيل

لم يكنْ أبُو القَاسمِ الآمِدِيّ، يبالغُ فِي تعبيرِ إعجابِه البالغِ ببيتِ الحُسين بن مطير الأسديّ هذا، عندمَا قالَ:

«وممَّا لا يفِي بحسنِه وحلاوتِه وصحّتِه شيءٌ قولُ حسين بن مطير في معن:

فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ

كَمَا كَانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْرَاهُ مَرْتَعَا».*(الموازنةُ بين شعر أبِي تمام والبحتري)، الآمدي: ج 3، ص 510.

وعدَّ ابنُ رَشِيقٍ القيرواني، في (العمدة)، بيتَ القصيدِ وثلاثةَ أبياتٍ قبلَه من القَصيدةِ «من أفضلِ الرثاء».

أمَّا ابنُ الأثير، في (الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور)، فإنَّه قالَ في بابِ التَّشبيه:

«وأعجبُ ما سمعتُ في هذا البَاب، قولُ الحسينِ بن مُطير الأسديّ، يرثِي معنَ بنَ زائدة:

فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ

كَمَا كَانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْرَاهُ مَرْتَعَا

فاعرف ذلك وقس عليه». قال أبو عبد الله، غفر الله له:

أول ما يطرأ في ذهني عندمَا أتأمَّل البيتَ المذكور: أن يكونَ الشَّاعرُ يتحدَّثُ عن كرمِ المَمدوحِ، بإمضَاءِ «وقفٌ للهِ تعالى»، يعيشُ النَّاسُ منه وفيه وعليه.

والوقفُ من الأعمالِ الصَّالحةِ العظيمة، وهو من صورِ المَعروفِ، والكرمِ، والعطاءِ، الممتدةِ بعد وفاةِ الوَاقف، والمُستمرَّةِ بإذنِ الله، يعيشُ الخلقُ عليهَا، أزمنةً طويلة.

وفي معنَى (فتى): قالَ ابنُ منظور في (لسان العرب):

«فتا: الْفَتَاءُ: الشَّباب. والفَتَى والفَتِيَّةُ: الشابُّ والشابَّةُ، وَالْفِعْلُ: فَتُوَ يَفْتُو فَتاء.

وَيُقَالُ: افْعَلْ ذَلِكَ فِي فَتائِه. وَقَدْ فَتِيَ، بِالْكَسْرِ، يَفْتَى فَتًى فَهُوَ فَتِيُّ السِنِّ بَيِّنُ الفَتاء، وَقَدْ وُلد لَهُ فِي فَتَاء سِنِّهِ أَولاد.

قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: الفَتَاء، مَمْدُودٌ، مَصْدَرُ الفَتِيِّ؛ وأَنشد لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ:

إِذَا عاشَ الفَتَى مائتَينِ عَامًا

فَقَدْ ذهَبَ اللَّذاذةُ والفَتَاء

فَقَصَرَ الْفَتَى فِي أَول الْبَيْتِ ومدَّ فِي آخِرِهِ، وَاسْتَعَارَهُ فِي النَّاسِك...

وَيُجْمَعُ الفَتَى: فِتْيانًا وفُتُوًّا، قَالَ: وَيُجْمَعُ الفَتِيُّ فِي السِّنِّ أَفْتَاء.

قال الْجَوْهَرِيُّ:

«وَقَوْلُهُ أَنشده ثَعْلَبٌ:

وَيْلٌ بزَيْدٍ فَتىً شَيْخٍ أَلُوذُ بِهِ

فَلَا أُعَشَّى لَدَى زَيْدٍ وَلَا أَرِدُ

فَسَّرَ فَتًى شَيْخٍ، فَقَالَ: أَي هُوَ فِي حَزْم الْمَشَايِخِ، وَالْجَمْعُ: فتْيان وفِتْية وفِتْوة.

قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَيْسَ الفَتَى بِمَعْنَى الشَّابِّ والحَدَث، إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْكَامِلِ الجَزْل مِنَ الرِّجَالِ، يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إنَّ الفَتَى حَمّالُ كلِّ مُلِمَّةٍ

ليسَ الفَتَى بمُنَعَّمِ الشُّبَان

قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ:

قَد يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى، ورِداؤُه

خَلَقٌ، وجَيْبُ قَمِيصِه مَرْقُوعُ

وصفه بأنه فتى، للدلالة على فتوته وشبابه».

ومنَ اللَّطيفِ، المقارنةُ التي تركَها الشَّاعرُ لنا، بين المعطي، وهو فتى واحدٌ فردٌ، لكنه الْكَامِلُ الجَزْلُ مِنَ الرِّجَالِ، مقابل قوله: (عِيْشَ) بالمبني للمجهول، إشارة إلى أن جموعًا من النَّاس عاشوا في معروفه، ومن المحتمل أن يكون معروفه وقفًا كما أسلفنا، وكان ذلك بعد موته.

فكأن صورة هذا الفتى الباذل الواقف، والجموع الذين عاشوا بعد موته في معروفه، تتجسد بقول ابن دريد في مقصورته:

وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ

وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا

وَرُبَّ واحدٍ بألفٍ، كمَا قيل.

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقفٌ للهِ فَتَىً عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقفٌ للهِ



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab