المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات

المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات

المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات

 العرب اليوم -

المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات

بقلم : تركي الدخيل

يُمْكِنُنِي أنْ أُطْلِقَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَبْيَاتِ شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ، عُنْوَانًا عَرِيضًا، أعْتَبِرُ فِيهِ شِعْرَ المُتَنَبِّي، يَحْمِلُ شِعَارًا لَافِتًا، هُوَ: إعَادَةُ التَّعْرِيفَاتِ بِمِعْيَارِ الحِكْمَةِ الخَالِدَة!

وَبَيْتُ القَصِيدِ الَّذِي نَتَنَاوَلُهُ اليَوْمَ، يَأْتِي امْتِدَاداً لِلتَّعْرِيفَاتِ الجَدِيدَةِ لِلْأشْيَاءِ، مِثْلُهُ مِثْل عَشَرَاتِ أَبْيَاتِ هَذَا الشَّاعِرِ العَظِيمِ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.

حَاوَلْتُ الوُقُوفَ عَلَى تَعْرِيفٍ مَفْهُومَيْ: (الأَمْنِ)، وَ(الخَوْف)...

أَوَّلًا: الأَمَنُ فِي المَوْسُوعَةِ الفِقْهِيَّةِ الكُوَيْتِيَّة:

الأَْمْنُ: ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهُوَ: عَدَمُ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الزَّمَانِ الْآتِي. وَأَصْلُهُ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ وَزَوَالُ الخَوْف.

وَعِنْدَ ابْنِ فَارِس: «الهَمْزَةُ وَالمِيمُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ مُتَقَارِبَانِ: أَحَدُهُمَا الأَمَانَةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الخِيَانَةِ، وَمَعْنَاهَا سُكُونُ القَلْبِ، وَالآخَرُ التَّصْدِيق..».

قَالَ الخَلِيلُ:

«الأَمَنَةُ مِنَ الأَمْنِ. وَالأَمَانُ: إعْطَاءُ الأَمَنَة، وَالأَمَانَةُ ضِدُّ الخِيَانَة.

يُقَالُ: أمِنْتُ الرَّجُلَ أَمْنًا وَأَمَنةً وَأَمَانًا، وآمَنَنِي يُؤْمِنُنِي إيْمَانًا.

وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ أُمَّانٌ، إذَا كَانَ أمينًا. قَالَ الأَعْشَى:

«وَلَقَدْ شَهِدْتُ التَّاجِرَ الْـ أُمَّانَ مَوْرُوداً شَرَابُهُ»

وَقَالَ الفَيْرُوزَآبَادِي:

«الأمْنُ والآمِن: كَصَاحِب، ضِدُّ الخَوْفِ، أَمِنَ كَفَرِحَ أمْنًا وأمَانًا بِفَتْحِهِمَا وَأَمْنًا وأَمَنَةً مُحَرَّكَتَيْن».

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِي:

«فُلَانٌ أَمَنَةٌ أيْ يَأمَنُ كُلَّ أَحَدٍ وَيَثِقُ بِهِ، وَيَأْمَنُهُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ غَائِلَتَهُ».

***

ثَانِيًا: الخَوْفُ:

قَالَ فِي (لِسَان العَرَب): «الْخَوْفُ: الْفَزَعُ، خَافَهُ يَخَافُهُ خَوْفًا وَخِيفَةً وَمَخَافَةً.

قَالَ اللَّيْثُ: خَافَ يَخَافُ خَوْفًا... وَمِنْهُ: التَّخْوِيفُ وَالْإِخَافَةُ وَالتَّخَوُّفُ، وَالنَّعْتُ خَائِفٌ وَهُوَ الْفَزِعُ..

وَقَوْلُهُ: أَتَهْجُرُ بَيْتًا بِالْحِجَازِ تَلَفَّعَتْ

بِهِ الْخَوْفُ وَالْأَعْدَاءُ أَمْ أَنْتَ زَائِرُهْ

إِنَّمَا أَرَادَ بِالْخَوْفِ الْمَخَافَةَ فَأَنَّثَ لِذَلِكَ».

***

بَيْتُ المُتَنَبِّي

نَعُودُ إلَى بَيْتِ أَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، الَّذِي يُعِيدُ فِيهِ التَّعْرِيفَاتِ مُجَدَّدًا، بِقَوْلِهِ:

ومَا الخَوفُ إلَّا مَا تَخَوَّفَهُ الفَتَى

ومَا الأَمْنُ إِلَّا مَا رَآهُ الفَتَى أَمْنَا الخَوْفُ الحَقِيقِي، هُوَ مَا يَسْتَدْعِي الفَزَعَ، لَيْسَ بِمِقْيَاسِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِمِقَايِيسِ بِضْعَةِ أَشْخَاصٍ، وَلَكِنْ بِمَعَايِيرِ مُعْظَمِ النَّاسِ وَغَالِبِيَّتِهِمْ...

إِنَّ بَيْتَ الشّعْرِ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، بِأَجْلَى تَبَايُنَاتِهَا...

هَلْ تَصَوَّرْتَ سَيِّدِي القَارِئ، حَالَ طِفْلٍ يَدْفِنُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ وَالِدَتِهِ، كَيْفَ يَكُونُ فِي أَمْنٍ لَا يُخَالِطُهُ سِوَاهُ...

أَلَمْ تَرَ، سَيِّدِي القَارِئ، أنَّ مَا رَآهُ طِفْلُنَا أَمْنًا، لَمْ يُغيّر فِي أمَانِهِ حَرب شَعْوَاء، المَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأُمِّ، لَا تَتَجَاوَزُ مِتْرَيْنِ اثْنَيْن؟!

حِجْرُ الأُمِّ بالنِّسْبَةِ لِلطّفْلِ هُوَ أَكْثَرُ مَكَانٍ آمنٍ عَلَى وَجْهِ البَسِيطَة!

هَذَا الأَمَانُ الَّذِي يَغْمُرُهُ فِي حِضْنِ أُمِّهِ، يُلْغِي بِالنِّسْبَةِ لَهُ، كُلَّ الأَخْطَارِ المُحِيطَةِ بِهِ وَوَالِدَتِهِ... وَبِالتَّالِي، عَمَّمَ مَا يَرَاهُ أمْناً وَأَلْغَى بِرُؤْيَتِهِ وَمِزَاجِهِ، الخَطَرَ، فَلَمْ يَعُدْ لِلْخَوْفِ وُجُودٌ عِنْدَهُ.

الفِكْرَةُ ذَاتُهَا بِتَطْبِيقٍ آخَرَ، نَجِدُهَا فِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْنِ لِأبِي الطّيّبِ، تَحْضُرُ النِّسْبِيَّةُ فِيهِمَا بِجَلَاءٍ، إِذْ يَقُولُ:

أَرى كُلَّنا يَبغي الحَيَاةَ لِنَفسِهِ

حَريصاً عَلَيها مُستَهاماً بِها صَبَّا

فَحُبُّ الجَبَانِِ النفَّسَ أَورَدَهُ التُّقى

وَحُبُّ الشُّجاعِ النَّفسَ أَورَدَهُ الحَرْبَا الجَبَانُ يَدْفَعُهُ حُبُّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْعَيْشِ أَكْثَر، إلَى اتِّقَاءِ الحَرْبِ، وَالابْتِعَادِ عَنْ خَوْضِهَا، طَمَعاً فِي حَيَاةٍ طَوِيلَة.

وَالشُّجَاعُ، يَدْفَعُهُ حُبُّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْحَيَاةِ وَالْعَيْشِ فِيهَا طَوِيْلاً، إلَى خَوْضِ الحَرْبِ، بَحْثاً عَنْ حَيَاةٍ مُمْتَدَّة.

الشَّجَاعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلشُّجَاعِ، سَبَبُ طُولِ الحَيَاة! وَالجُبْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَبَانِ، سَبَبُ طُولِ الحَيَاة!

النِّسْبِيَّةُ وَحْدَهَا، هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ نَقِيضَيْنِ هُمَا: الشَّجَاعَةُ وَالجُبْنُ، يُؤَدِيَانِ بِالنِّسْبَةِ لِصَاحِبيهما، الوَظِيفَةَ ذَاتَهَا!

إنَّ التَّخَوُّفَ هُوَ تَصَنُّعُ الخَوْفِ، ثُمَّ يَسْتَوْلِي عَلَيْكَ وَيَصِيرُ طَبْعًا مُسَيْطِراً...

دَامَ أَمْنُكُمْ، يَا أَمَانَ الخَائِفِينَ... الّلهُمَّ آمِين...

***

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات المُتَنَبِّي يُعِيدُ صِنَاعَةَ التَّعْرِيفَات



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab