بقلم : إنعام كجه جي
«يا طالعة السلالم يا ما شاء الله عليها. ست العرايس والشموع حواليها». أدور في معرض النحات الهولندي فرانز فان ستراتن وأتذكر أغنية الزفّة المصرية التي أتحفتنا بها الأفلام. معرض أنيق مختبئ في قلب باريس القديمة. تتشابه التماثيل في تفاصيلها لكن الموضوع واحد: امرأة تصعد أدراجاً وبين يديها كتاب. قد لا تنطبق عليها كلمات الزفّة. لا مكان لكتاب في ليلة الدخلة.
يتوهّم صاحب الصالة أنني زبونة تدخل لتشتري. يتفنن في امتداح المنحوتات. هذا استثمار للمستقبل. لا يُدرك أن مستقبلي بات ورائي. يزعم أن الفنان أشهر نحات في بلاده. أنعِم وأكرِم. أتأمل التماثيل وألاحظ أن النساء فيها منفصلات عن الأدراج البرونزية. يمكن تحريكهن صعوداً ونزولاً حسب الذوق والرؤية.
أتفرج وأفكر في معاني الهبوط والارتقاء. افتتح الصينيون درجاً سمّوه «سلّم السماء»، مُعلّقاً على ارتفاع 1500 متر بين منحدرين شاهقين. يدفع السائح ثمانين دولاراً ويخوض التجربة المثيرة. لا يصل السماء ويبقى دونها بشبرين.
قصدت ذات يوم ديراً جبليّاً في شمال العراق. أتذكّر أن الهبوط كان أصعب من الصعود. تقول أسطورة عثمانية إن نصّاباً فتح حمّاماً في السوق وكتب على الباب: «الدخول مجاناً». ذاع صيته وتوافد عليه الزبائن. كان يحتجز ثيابهم بعد الاستحمام ولا يفرج عنها إلا مقابل مبلغ مُحدّد. حجّته أن الدخول مجانيّ لكن الصابون والماء الحار بفلوس. من هناك جاء المثل: «دخول الحمّام ليس مثل خروجه». وفي باريس حمّام عموميّ في الجامع الكبير، مخصص للنساء. اغتسال وتلييف ونتف وتدليك بنحو من مئة يورو. وفوق البيعة شاي أخضر.
أشهر سلالم باريس تلك الحديدية الصاعدة إلى برج إيفل. وأكثرها رونقاً الدرجات التي تأخذك إلى تلة مونتمارتر. يلفظونها مونمارت. 280 درجة تنقلك من الجادة السفلى حيث دكاكين المتعة والطاحونة الحمراء، إلى كنيسة القلب الأقدس. من التهتّك إلى التبتّل والخشوع.
في روما، كشفوا عن «درج مقدّس» يعتقد بعضهم أن المسيح ارتقاه في القدس. 28 درجة من الرخام جيء بها إلى إيطاليا من قصر الحاكم الروماني بيلاطس البنطي. بقيت مغطاة طيلة ثلاثة قرون. رمموها وفتحوها للزوار. لا تصعد بقدميك بل على الأيدي والرُكَب. وآه من وجع الرُكَب!
في «المدرعّة بوتمكين» للمخرج الروسي آيزنتشتاين رأينا مذبحة على سلالم أوديسا. فيلم صامت عمره مئة عام. علامة في تاريخ السينما. ينزل جنود القيصر درجاً لا متناهياً وهم يطلقون النار على الأهالي. وهناك في الأسفل خيّالة من القوزاق تهاجم الحشد وعربة أطفال في الوسط تتدحرج على السلّم. في 1987 استعاد الأميركي بريان دي بالما المشهد في فيلم شهير جمع في سلّة واحدة كيفن كوستنر وسين كونري وروبرت دي نيرو وآندي غارسيا. تتدحرج عربة الطفل وتنحبس أنفاسنا.
تداعيات ذوات شجون لكن آن لهذا العمود أن ينتهي. والخاتمة قول منسوب لنزار قباني: «لا ترفع سقف أحلامك في أوطانٍ تسرق السلالم».