الزمن المرسوم

الزمن المرسوم

الزمن المرسوم

 العرب اليوم -

الزمن المرسوم

بقلم : إنعام كجه جي

اعتاد الرسامون، على مرّ العصور، أن ينهلوا من مناظر الطبيعة. يصوّرون الأمواج، والغيوم، والنبات، والخيول، ووجوه البشر. وكان هناك من يتغاضى عن الطبيعة الماثلة أمام عينيه. ينحرف عما يراه واقعاً لكي يرسم ما يثيره المشهد في نفسه من انطباعات. أي أنه يُجرّد الواقع من قيوده ويترك العنان لخياله، ولفرشاته تصول وتجول.

هذا معرض جديد للفرنسي كلود مونيه (1840ـ 1926) رائد المدرسة الانطباعية. يأخذك فيه الفنان نحو تحدٍ جديد. إنه يرسم الزمن. هكذا يقول القائمون على المعرض ونحن نجاريهم ونصدّقهم ونتابع حفاوة الأوساط الثقافية بالفنان بمناسبة مئوية وفاته. كيف يمكن اقتناص تعاقب السنوات باللون والفرشاة؟

تتأمل اللوحات لتختبر حقيقة أن مونيه لا يرسم الشيء، بل يرسم ما يفعله الوقت بالشيء. تجد نفسك أمام أربعين لوحة منتقاة بعناية لإثبات هذه الفرضية. تطالعك واجهة كاتدرائية مدينة روان في عدة أعمال. إن المبنى ما زال قائماً في مكانه، وأحجاره لم تتزعزع. لكن كل لوحة تختلف عن غيرها. فهي مرسومة طوراً تحت شمس دافئة، وطوراً في صقيع أزرق معتم، أو مشوبة بالضباب. ولو كان ممكناً تكبير اللوحة بانفراج الإبهام والسبابة، كما نفعل بصور الهاتف، لرأينا الوقت يتغيّر في الساعة المعلقة بعيداً فوق برج الكنيسة.

لا شيء ثابتاً عند كلود مونيه. وحتى الحجر الصلد يبقى صامداً لكن الوقت يتلاعب بمنظوره. وهو حين يكرّر رسم المشهد نفسه فكأنه مخرج يقسّم مشاهد الشريط السينمائي إلى لقطات. ويقول لك مفوّض المعرض إن الفنان رسم أكوام القش مرّة بعد مرّة. لكن الكومة ذاتها تتغيّر في كل لوحة بفعل الساعة والضوء والريح وحالة الطقس.

أنت لا تنزل النهر نفسه مرتين. مويجات الأمس عبرت وتلاحقت بعدها دفقات جديدة. قالها فيلسوف اسمه هيراقليطس. لقبه صعب لكن ليس أصعب من لقبي. اشتهر مونيه برسم زنابق الماء الطافية فوق السواقي والبحيرات. مائة زنبقة وزنبقة لا تشبه إحداها صاحبتها في اللون ولا في انعكاس النور والدوائر المتشكلة حولها. لوحات ضخمة تسحب المتفرج إلى رحمها فلا يعود يعرف إن كانت ساعة ضحى أم غسق، ولا أين يبتدئ الماء وتنتهي السماء. لا يمكن أن يغيب الشاعر السيّاب عن بالك وأنت تتأمل تلك اللوحات. تأتي به طاقية الإخفاء، أو التجسّد، من قرية جيكور في البصرة إلى بلدة جيفرني في النورماندي. «عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكروم، وترقصُ الأضواءُ كالأقمارِ في نَهَر، يرجّهُ المجذافُ وهْناً ساحةَ السَحَر، كأنما تنبضُ في غوريهما النجوم».

لن تحتاج إلى دليل يشرح لك اللوحات ولا إلى هيراقليطس. إن لسطوة الزمن وقعها على كل الموجودات. تكفي نظرة إلى بساتين النخيل في مدينتك التي تركت مكانها للعمارات الصماء وستدرك أن كلود مونيه لم يكن نبيّاً بل فنان هرب من واقع متجمّد إلى خيال رجراج.

arabstoday

GMT 06:52 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 06:50 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 06:48 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 06:46 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 06:43 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 06:41 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أين المعاشات؟!

GMT 06:39 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 05:20 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الزمن المرسوم الزمن المرسوم



أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة ـ العرب اليوم

GMT 05:33 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 العرب اليوم - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 10:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

السلطات توقف البث الإذاعي لـ"بي بي سي" في أفغانستان
 العرب اليوم - السلطات توقف البث الإذاعي لـ"بي بي سي" في أفغانستان

GMT 00:36 2026 الإثنين ,12 تشرين الأول / أكتوبر

مواعيد مباريات اليوم الإثنين 12-10-2026 والقنوات الناقلة

GMT 18:14 2026 الأحد ,11 تشرين الأول / أكتوبر

محمد هانى يتقدم بالهدف الأول للأهلى فى مرمى الزمالك

GMT 02:29 2026 الإثنين ,12 تشرين الأول / أكتوبر

السعودية تعترض صاروخا أطلقه الحوثيون باتجاه خميس مشيط
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab