الأيام الخمسة التي أعطاها الرئيس ترمب مهلةً لإيران بدأت منتصف الأسبوع، وهذا معناه أن المتبقي منها يومان بالكاد، وإذا شئنا قلنا إن المتبقي ساعات، لأن الزمن في حالات كهذه يجري حسابه بالدقائق والثواني، فضلاً عن أن يتم الحساب بالساعات.
وإذا شئنا أيضاً قلنا إن هذه الأيام الخمسة هي تقريباً أطول خمسة أيام تمر على المنطقة، لأن كل طرف من الطرفين المتحاربين ومعهما الأطراف المتضررة يظل يحسب حسابه طوالها، ويظل يتصل هنا أو يرتب هناك، لعل نهاية المهلة تأتي على خير، أو لعلها تذهب بجميع الأطراف إلى غير طريق الحرب.
وحين اندلعت الحرب بين طرفيها، الأميركي الإسرائيلي من جهة، والإيراني من الجهة الثانية، وجدت دول الخليج الستّ أنها طرف في الموضوع، رغم أنها جاهدت منذ وقت مبكر، ليس فقط لأن تبقى بعيدة عن أن تكون طرفاً، وإنما جاهدت لعل طريق التفاوض الذي كان قد بدأ بين الطرفين يذهب إلى غايته، ولعل المنطقة تتجنب ما كابدته منذ بدء الحرب، ولعل العالم نفسه يفلت مما وجد نفسه أسيراً في قبضته مع الشرارة الأولى للقتال.
جاهدت دول الخليج الستّ من أجل هذا كله، ومع ذلك، فلقد كان لا بد -فيما يظهر- مما لا بد منه، وواجهت الدول الست ما كان عليها أن تواجهه مضطرةً، وتعاملت مع ما فُرض عليها بمسؤولية، وضبطت نفسها لأقصى ما هو ممكن ومتاح، وعاشت تحت ضغط استهداف إيراني مواقع فيها، بغير أن يكون هناك سبب معقول لكل استهداف وقع.
ولأن هذه هي ملامح الصورة، فما كاد الرئيس الأميركي يعلن مهلة الأيام الخمسة، وما كاد يقول إن اتفاقاً يجري العمل عليه مع الطرف الإيراني، وإن هذا الاتفاق من خمس عشرة نقطة، حتى كان جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، قد سارع إلى القول بأن دول المجلس لا بد أن تكون حاضرة في أي اتفاق يتم توقيعه بهذا الشأن.
سارع البديوي إلى ذلك مدفوعاً فيما يبدو بشيئين، أولهما أن إيران التي من المفترض أن يجري توقيع الاتفاق معها، إنما تتمدد على الشاطئ الشرقي للخليج، فيما تشغل الدول الست الشاطئ الغربي كله، وليس من المتصور أن يخرج الاتفاق إلى النور، بغير أن يكون الشاطئان حاضرين معاً، لا أن يحضر شاطئ ويغيب الآخر.
والشيء الآخر أن الحرب الناشبة إذا كانت لها أسباب عدة، فمن بين أسبابها أن اتفاقات سابقة جرى توقيعها مع إيران من جانب الولايات المتحدة، ولم يكن الطرف الخليجي حاضراً بالشكل الواجب، ولا بما هو مُفترض أو مُتعين، ولهذا، بقي كل اتفاق تم توقيعه في غير حضور الطرف الخليجي اتفاقاً ناقصاً، ومن شأن الاتفاق الناقص ألا يصمد كثيراً، وأن تتداعى أركانه بين طرفيه أو أطرافه عند أول اختبار، وهذا ما نستطيع أن نجده متجسداً في هذه الحرب التي امتدت دوائر تأثيرها إلى أركان الأرض الأربعة.
شدد الأمين العام للمجلس على ضرورة حضور الخليج كطرف، وكان على حق فيما شدد عليه، وإذا كان على الطرف الأميركي أن ينتبه إلى شيء، أو أن يأخذه بالجدية الواجبة، فهذا الشيء هو تشديد أمين عام المجلس، وإلا فإن المعاناة التي يمكن أن تنتج عن عدم الانتباه أميركياً لتشديد الأمين العام، سوف تصل إلى كل بيت أميركي، تماماً كما حدث ووصلت عند بدء الحرب ثم طوال أيامها، ولا تزال تصل متجسدةً في ارتفاعات أسعار الطاقة.
ومن المفهوم أن التشديد الخليجي الذي أعلنه أمين عام المجلس، ليس تشديداً نظرياً أو إنشائياً أو في الفراغ، ولكنه تشديد على نقاط عملية لا بديل عن أن يشملها الاتفاق المرتقَب، وفي المقدمة منها ألا تتوقف حدود الاتفاق المنتظر عند البرنامج النووي الإيراني، وإنما لا بد أن تمتد إلى تمويل إيران أذرعها وميليشياتها التي عانت منها المنطقة ما عانت، وإلى صواريخها، وإلى تصديرها الثورة، وإلى، وإلى... ثم إلى آخر ما يمكن أن يعود بإيران إلى مربع الدول الطبيعية التي تراعي مبادئ حُسن الجوار مع الجار فلا تتجاوزها.
بالطبع أكاد أسمع أصواتاً تقول إن طهران لم تشأ أن تراعي شيئاً من ذلك كله منذ بدء الحرب، وإن الاستهدافات المتوالية كانت دليلاً عملياً على ذلك، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكن ما وقع ويقع لا يمنع أن يكون هناك أمل ولو كان محدوداً في أن تدرك الحكومة الإيرانية أن ما بعد الحرب يجب ألا يكون على ما كان عليه قبلها، وأن دول الخليج لن تغادر مكانها على الخريطة، وأن الجغرافيا التي حُكمت بهذا الجوار لن تتخلى عن حكمها ولن تراجعه، وإنما الذي عليه أن يتخلى عن سلوكه وعن سياسته المعتمدة في الإقليم من حوله، وأن يراجع السلوك والسياسة المعتمدة معاً، هو الطرف الآخر المستقر هناك على شرق الخليج.
هذه أطول خمسة أيام تمر على المنطقة وربما على العالم، منذ أن كان لآيات الله وجود في الحكم في طهران، وطولها راجع إلى أن هناك طرفاً سوف يقاتل لإفشال الوصول إلى اتفاق، وهو الطرف الإسرائيلي وليس سواه، وسوف يكون على بقية الأطراف أن تركز جهدها في اتجاه قطع الطريق عليه بأي ثمن.