بقلم : سليمان جودة
سوف تتمنى بينك وبين نفسك لو أن الله تعالى قد خلق الفيلسوف اليونانى ديوجين فى أيامنا هذه، لا فى القرن الثالث قبل ميلاد المسيح عليه السلام.
ففى ذلك الوقت البعيد كان ديوجين قد عاش فى اليونان، وكان قد دأب كل يوم على الخروج فى عز النهار وفى يده مصباح، وكان يتمشى فى شوارع المدينة باحثاً عن شىء لا يراه الناس من حوله. كان الناس مندهشين من أن يظل يفعل هذا ويكرره كل نهار، ولما استبدت بهم الحيرة من أمره سألوه: عمَّ تبحث وتفتش فى شوارع المدينة يا فيلسوف؟، وكان رده جاهزاً: أبحث عن إنسان!.
لم يكن يفعل ما يفعله ليلاً.. هذه واحدة.. وكان وهو يفعله نهاراً لا يمشى إلا والمصباح فى يده رغم أن ضوء النهار كان يُغنيه عن أى مصباح.. وهذه هى الثانية.. ومن يومها صار مصباحه مثلاً نضربه إذا شئنا الإشارة إلى شىء نادر الوجود.. تماماً كما كان هو يرى أن الإنسان بمعنى إنسان مسألة تواجه شُحّاً فى الأسواق، حتى ولو استعان هو بمصباح بحثاً عنه فى رائعة النهار!.
أما لماذا سوف تتمنى لو أن الله تعالى قد خلق ذلك الفيلسوف بيننا هنا، لا هناك فى القرن الثالث قبل ميلاد المسيح عليه السلام؟، فلأنه كان سيجد الإنسان الذى يبحث عنه. كان سيجده فى بلاد الإسبان التى اشتهرت بالأندلس فى قديم الزمان.
كان سيجد إنساناً اسمه بيدرو سانشيز، وكان سيعرف أن صاحب الاسم يجلس على رأس الحكومة فى مدريد، ولكنه يجلس على رأسها بصفته إنساناً أولاً، لا باعتباره سياسياً، ولا على أنه يمثل حزب الأغلبية فى الحكومة.
لم يكن ديوجين سيجد صعوبة فى البحث عن الإنسان الذى أشقاه البحث عنه فى أيامه. كان سيعرف أن سانشيز هو الوحيد فى أوروبا الذى قال «لا» للغطرسة الأمريكية فى المنطقة هذه الأيام وبأعلى صوت، وهو الذى أعلن رفض استخدام الولايات المتحدة القواعد العسكرية فى بلاده فى حربها هى وإسرائيل على إيران، وهو الذى طلب من وزير خارجيته تكذيب البيت الأبيض عندما زعم موافقة إسبانيا على استخدام قواعدها العسكرية.. خرج وزير خارجيته يعلن على الدنيا أن ما أعلنته متحدثة البيت الأبيض بهذا الشأن كذب فى كذب، وأن إسبانيا عند موقفها لم تغيره بوصة واحدة، وأن هذه حرب تشنها واشنطن وتل أبيب عدواناً وظلماً، وأن آحاد الناس يدفعون ثمنها بغير ذنب، وأنها حرب لم تقر بها الأمم المتحدة ولا الكونجرس وافق عليها، وأن إسبانيا تغسل يدها منها كاملةً كما غسلت يدها من قبل من الحرب الإسرائيلية الوحشية على الفلسطينيين فى غزة.
كان ديوجين سيحيل مصباحه الشهير إلى التقاعد. كان سيقول إنه عثر أخيراً على الإنسان الذى بحث عنه طوال حياته، وإنه لما استعرض مواقف سانشيز السياسية، وجدها توفر ما عاش يبحث عنه من صفات الصدق، والنزاهة، والاحترام، وإنه وجد مع الصفات الثلاث شيئاً اسمه الضمير!.