بقلم : سليمان جودة
سوف تلاحظ أن صحف رمضان تضع موعد الإفطار ومعه موعد الإمساك عن الطعام فى برواز واضح على صفحتها الأولى، وسوف يبدو ذلك غريباً، وقد رأيته من جانبى وكأنه اختزال لرمضان كله فى الطعام، رغم أن فى الشهر ما هو أهم من هذين الموعدين بامتداد اليوم.
وسوف تلاحظ أيضاً أن فى كل صحيفة جدولاً بمواعيد الصلوات الخمس، ولكن لأمر ما، فإن العُرف الصحفى قد جرى طول الشهر على أن يوضع موعد الإفطار فى برواز لا تخطئه العين، والى جواره موعد لحظة الإمساك عن الطعام فى وقت الفجر.
وكأن الهدف أن يقال إنك تستطيع أن تأكل بين هذين الموعدين، وإن اليوم إذا كان ٢٤ ساعة ففيه ما يقرب الساعات العشر المخصصة للأكل بأنواعه على طول الليل.
هذا معنى خفىّ موجود فى البرواز الذى يظهر فيه الموعدان أمام كل ذى عينين، ولا يمكن أن يكون هذا العُرف الصحفى قد بدأ ثم تواصل على سبيل الإشارة فقط إلى الموعدين المشار إليهما.. لا يمكن.. لأنك إذا تتبعت البُعد النفسى العميق للبرواز وما يحويه، فلن تجده إلا بروازاً يخاطب شهية الطعام لدى الصائم، وإلا فلماذا لا يوضع الموعدان فى جدول الصلوات الخمس الذى يشير إلى مواعيد عبادة لا تغيب طول السنة؟.
لهذا السبب يبدو الاستهلاك فى رمضان أعلى منه فى ١١ شهراً أخرى تكتمل بها السنة الهجرية، مع أن الإنسان يتناول وجبتين فى رمضان، ويتناول ثلاث وجبات فى غير رمضان.. والعقل يقول إن استهلاك الناس فى هذا الشهر يجب أن يكون فى حدود الثلثين مما يستهلكونه فى أى شهر سواه، ولكن هذا لا يحدث بل يحدث العكس تماماً!.
ولو أنت طالعت الأرقام المنشورة عن توقعات الاستهلاك فى اليوم الأول وحده من رمضان، فسوف لا تكاد تصدق أن هذا واقع استهلاكى قائم.
أعرف طبعاً أن بيننا أعداداً كبيرة تتحصل على وجبة الإفطار بشق الأنفس، وكذلك على وجبة السحور، ولكنى أشير إلى الاستهلاك المسرف مما نراه حولنا، وأرى أشكالاً للاستهلاك تدعو أصحابها إلى أن يراعوا أن فى البلد مَنْ يتابع أشكالاً كهذه للاستهلاك وهو يتألم.
القرآن الكريم يصف طعام أهل الجنة فى سورة مريم فيقول: «ولهم رزقهم فيها بُكرةً وعشيا»، والمعنى أن الوجبتين فى رمضان صورة مما يقوله كتاب الله تعالى فى هذا المقام، ولأنهما كذلك، فإن أهل رمضان مدعوون إلى أن يلتفتوا إلى هذا المعنى عند كل استهلاك. والقاعدة فى الموضوع كله هى الآية الكريمة التى تقول: «كُلوا واشربوا ولا تسرفوا».