بقلم: سليمان جودة
قضيت يومين فى البحرين تحت صراخ صافرات الإنذار التى تدعو المواطنين والمقيمين إلى التزام الأماكن الآمنة.
فالصواريخ والمُسيرات الإيرانية تواصل هجماتها العمياء على البحرين والكويت والأردن، وهى عمياء لأن حكومة المرشد فى طهران تعرف أن البحرين دولة جارة وليست عدواً، وكذلك الحال فى الكويت ومعها بقية دول الخليج، وتعرف أن الحكومة فى الأردن لا تعاديها، ومع ذلك تواصل إطلاق صواريخها ومسيراتها فى الاتجاه الخطأ!
تطلقها فى الاتجاه الخطأ لأن الحرب التى تعرضت لها فى آخر فبراير كانت من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ولم تكن من جانب دول الخليج ولا الأردن، بل إن هذه الدول كانت ولا تزال ضد الحرب، وكانت ولا تزال مع الحل السياسى للأزمة بين طرفى الحرب، وكانت ولا تزال تؤمن بأن مبادىء حُسن الجوار هى التى لا بديل عن أن تسود، ولكن بشرط أن تتوقف إيران عن هذا الاستقواء الغبى على دول الجوار!
كنت قد ذهبت فى زيارة إلى «دارة الأنصارى» التى تحمل اسم المفكر البحرينى محمد جابر الأنصارى، والتى تقوم على شؤونها ابنتاه هالة وميساء.. فكلتاهما ترى أن عليها واجباً تجاه إحياء تراث أبيها، وكلتاهما تشعر بأن أثر إحياء تراث الأب سيعود على كل قارىء، وكل مهتم، وكل عارف بفضل الدكتور الأنصارى على الفكر العربى.
الدارة تضم مكتبته، ومتعلقاته الشخصية، ومؤلفاته، وصوراً له فى مراحل حياته المختلفة، ومن بينها صورة للملك حمد بن عيسى عندما زاره فى بيته خلال سنواته الأخيرة، وكان فيها قد أقعدته ظروفه الصحية عن مواصلة مهمته مستشاراً للملك للشؤون الثقافية.
كان الدكتور الأنصارى اسماً يُشار إليه بين المفكرين العرب، وكان وكأنه ابن خلدون العصر فى أرض العرب، وكان قد أصدر كتابه «الخليج.. إيران.. العرب» عام 1972، وكان فيه وكأنه يقرأ مبكراً ما هو حاصل الآن عندما قال فى صفحته الأولى: أهم ما يجب التنبه إليه أن الاحتلال الإيرانى للجُزر الصغيرة فى الخليج ليس نهاية الأمر بل بدايته، وأن الخطر أكبر من ذلك وأبعد وأعم.
فكأنه كان كزرقاء اليمامة يقرأ فى 1972، ما سوف يكون علينا أن نعيشه كعرب فى 2026، وعندما غادر الدنيا نهاية السنة قبل الماضية، فإنه غادرها وفى نفسه شىء من النهضة العربية التى عاش يدعو إليها، وإذا كانت بلاده قد أنشأت كلية للمعلمين تحمل اسمه، فأغلب الظن أن هذه بداية إلى النهضة التى لا طريق إليها غير طريق التعليم.