بقلم: سليمان جودة
تسمع حديث البيت الأبيض عن أن لقاء ترامب مع نتنياهو كان مثمراً وإيجابياً، فلا تملك إلا أن تضع يدك على قلبك، ثم تعود إلى الفيلسوف اليونانى سقراط لعلك تفهم منه بعضاً مما يقال حولك.
تضع يدك على قلبك لأن الحديث عن أن اللقاء كان مثمراً وإيجابياً معناه أن الرئيس الأمريكى أنصت لرئيس حكومة التطرف فى تل أبيب، وقد كان الأمل ألا ينصت إليه فيما يخص منطقتنا بالذات، لأنه أنصت إليه من قبل ورأى ورأينا معه عواقب الإنصات.
رأى العواقب فى الفوضى التى يزداد منسوبها فى المنطقة يوماً بعد يوم، ثم رأى العواقب فى الحرب على إيران التى كلما بدا أنها ذاهبة إلى نهاية لها، عادت تتجدد وتتمدد فى أرجاء الإقليم، وعاد الخطر من تمددها أكبر مما كان عليه يوم أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل آخر فبراير.
أما لماذا نعود إلى سقراط؟ فلأنه هو الذى أدرك مبكراً مدى الخطورة فى تداول كلمات وعبارات تحتمل أكثر من معنى.
كان يكره أن يتداول كلمات مع الآخرين تحتمل الكثير من المعانى، وإلا فإننا يمكن أن نردد الكلمات نفسها، ثم لا ننتبه إلى أن ما تقصده أنت بالكلمة التى تستخدمها لا علاقة له بما يفهمه سامعك من الكلمة نفسها!
فالكلمة لا بديل عن أن تكون كالعُملة؛ أى أن قيمتها فى يدك هى نفسها قيمتها فى يد غيرك، وما عدا ذلك يؤدى إلى أن تقول أنت شيئاً تعنيه، فإذا رد عليك الطرف الآخر رد بما لا تعنيه، لأن مفهوم الكلمة عنده ليس هو مفهومها عندك.
إن اللقاء بين ترامب ونتنياهو يمكن أن يكون مثمراً وإيجابياً بالفعل، والمشكلة ليست فى أنه كذلك، وإنما فى معنى إيجابيته عندهما، ثم عندنا فى المقابل. فما هو إيجابى لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية ليس إيجابياً بالنسبة للمنطقة بالتأكيد، وما هو مثمر فى نظر الرئيس الأمريكى يمكن جداً ألا تكون له علاقة بالإثمار عندنا هنا فى المنطقة.. وهكذا.. وهكذا.. إلى آخر ما يجرى تداوله بيننا وحولنا من كلمات وعبارات.
سقراط كان فيلسوفاً، والفلاسفة مغرمون برد الأشياء إلى أصلها الأول، وما يهمنا فى الموضوع أن نرد نحن أيضاً ما يقال لنا إلى أصله الأول، حتى لا يتكلم الاثنان فى واشنطن عن «إيجابية» ليست فى الحقيقة سوى «سلبية» فى حياتنا هنا!