بقلم: سليمان جودة
هذا مقطع من لقاء تليفزيونى جاءنى من السفير حسن عبدالرحمن، السفير الفلسطينى السابق فى الولايات المتحدة الأمريكية وفى المغرب.
المقطع جزء من حوار مُذاع على شاشة «بى بى سى» مع المستوطن الإسرائيلى يهودا شيمون فى الأراضى الفلسطينية المحتلة. سألته المذيعة: يقولون إنكم ترون أن حياة يهودى واحد تساوى حياة المئات والآلاف من الفلسطينيين؟ رد المستوطن فقال: لا.. إنها تساوى حياة مليون فلسطينى. ثم استدرك كأنه نسى شيئًا فقال: بل إن حياة اليهودى الواحد تساوى حياة عشرة ملايين فلسطينى. عادت المذيعة وكأنها تحاول لفت انتباهه إلى خطورة ما يعتقده فقالت: ولكن هذه عنصرية. قال: نعم.. أعرف أنها عنصرية.. أعرف.. ولكن الله اختارنا!
الحوار مذاع على الهواء، والخلفية فيه تبدو أنها أرض الضفة الغربية، والمستوطن لا يجد حرجًا فى عنصريته، ويبررها بأن الله اختارهم دون العالمين!
ولو أن كلامًا رديئًا كهذا قيل على لسان عربى فإن الدنيا تقوم ولا تقعد أبدًا، وتظل الاتهامات بالعنصرية تلاحقه، وليس من المستبعد أن يؤخذ إلى القضاء!.. أما أن يقوله مستوطن يهودى يؤمن بأوهام اختيار الله لهم، وأما أن يجاهر بذلك، وأما أن يزايد على سؤال المذيعة نفسه فيرفع المليون لعشرة ملايين، فلا شعرة تتحرك فى رأس الذين يطاردون الناس فى أنحاء العالم بتهمة العنصرية!
ولا فرق فى الحقيقة بين كلام المستوطن المتبجح، الذى يستولى على أرض ليست أرضه، وبين حديث إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومى الإسرائيلى، الذى دعا حكومته علنًا إلى قتل ثلاثين أو أربعين فلسطينيًا فى غزة كل يوم!
هذه بدورها دعوة للقتل، لا مجرد عنصرية يرفعها المستوطن فى لقاء الـ«بى بى سى». والدعوة إلى القتل صراحةً يطلقها وزير مسؤول، أو المفروض أنه مسؤول، فى حكومة مسؤولة، أو المفروض أنها مسؤولة!
ما العمل؟.. العمل عندنا نحن العرب، وعند الفلسطينيين قبلنا، لا عند ترامب ولا عند سواه خارج نطاق أرضنا العربية.. فالرهان على شىء هناك فى الولايات المتحدة، أو فى غيرها فى الغرب، هو رهان على سراب لا أكثر.. الرهان كله عندنا هنا.. هنا لا هناك.. الرهان يظل على صمود كل فلسطينى، وعلى يقينه فى أن هذه أرضه لا أرض أى مستوطن. وقد بدأ الصمود الفلسطينى يؤتى ثماره على الأرض، وقرأنا فى صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية أن ١٥٠ ألفًا من الإسرائيليين خرجوا من إسرائيل إلى غير رجعة خلال السنوات الثلاث الماضية.. وسوف يخرج المزيد والمزيد.. وسوف يكون ذلك دليلاً على أن التهجير الذى أرادته حكومة التطرف فى تل أبيب للفلسطينيين انقلب هجرة إسرائيلية!.. فالبقاء لأصحاب الأرض لا للذين احتلوا ويحتلون الأرض.