بقلم: سليمان جودة
لا تأتى ذكرى المولد النبوى الشريف فى كل سنة إلا ويأتى معها شىء من ذكرى الأديب عباس محمود العقاد، الذى وضع حياة النبى الأعظم فى كتاب: عبقرية محمد.
ليس هذا وفقط، وإنما تجاوز العقاد شخص الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام نفسه كديانة، فوضع كتاباً آخر سمّاه: التفكير فريضة إسلامية. وكما ترى من العنوان، فالتفكير ليس مجرد دعوة لنا من الدين إلى أن نفكر وإنما هو فريضة، وإذا شئنا جاز لنا أن نقول إنه «فرض عين» على كل واحد منا، لا «فرض كفاية» مما يقول عنه أهل الفقه إن قيام شخص به يُسقطه عن الآخرين.
كان العقاد قد قرر أن ينتصر للنبى الأكرم مرة، ثم للرسالة التى جاء بها نبى الإسلام مرةً ثانية، وفى المرتين كان ينتصر للعقل، وكان يقف ضد كل ما يتناقض مع التفكير العقلى السليم، وضد كل ما يراه بعيداً عن أن يكون من أصول الدين، وكان يستند على قاعدة وجيهة تقول إن الله تعالى الذى خلق لنا عقولنا لا يمكن أن يجعل دياناته السماوية على تناقض مع مبادئ العقل وقواعده.
من ذلك ما كان العقاد يعمل عليه فى مقاومة كل ما لا يتسق مع عقولنا التى جعلها الله فى رؤوسنا، فكان يقاوم ما يؤمن به الكثيرون من الناس فى التشاؤم من رقم 13 على سبيل المثال.
كان يرى ذلك مما يصطدم بالعقل ولا يتفق معه، ولما أراد أن يضرب مثالاً عملياً اختار لإقامته فى حى مصر الجديدة بيتاً كان عنوانه: 13 شارع السلطان سليم!.. والطريف فى الأمر أنه لما غادر الدنيا فى عام 1964 غادرها فى 13 مارس من ذلك العام.. بل إن أهله يذكرون أن الذين رافقوا جثمانه إلى مسقط رأسه فى أسوان كانوا 13 شخصاً!.. فكأن هذا الرقم العجيب الذى تشاءم منه الناس ولا يزالون قد أبى إلا أن يرافقه فى حياته، ثم فى مماته وهو يغادر إلى حيث عاش أيام الطفولة فى أقصى الجنوب!.
ولم يتوقف عند حدود الرقم 13، لكنه تعداه إلى طائر البومة الذى لما عرف أن الناس يتشاءمون منه ولا يذكرون اسمه إلا مقروناً بالخراب، فإنه أحضر تمثالين لطائرين اثنين من طيور البومة، ثم وضعهما أمامه على مكتبه يراهما كلما جلس يكتب أو يقرأ!.
ولكن العودة إلى «عبقرية محمد» تلفت انتباهنا إلى الجملة التى ختم بها تقديمه للعبقرية، لأنها وصفت صاحب الرسالة المحمدية كما لم يصفه أحد. قال: «وحسبنا من كتابنا هذا أن يكون بناناً تشير إلى تلك العظمة فى آفاقها، فإن البنان لأقدر على الإشارة من الباع على الإحاطة، وأفضل من عجز المحيط طاقة المشير».