السلام عليك يا نبى الهدى

السلام عليك يا نبى الهدى

السلام عليك يا نبى الهدى

 العرب اليوم -

السلام عليك يا نبى الهدى

بقلم: فاروق جويدة

(تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا: كتاب الله وسنتي)، كانت هذه كلمات المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو يودع الدنيا بعد أن بلغ الأمانة وأطلق الرسالة، وكان نورا وهدى للعالمين، مؤكدا: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وخاطبه رب العالمين «وإنك لعلى خلق عظيم» ، «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»..

رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام: الأخلاق والرحمة والعدل للناس جميعا فى أى زمان ومكان.. وإذا كانت مقاييس الأخلاق قد اختلت، وطريق الرحمة فقد مساره، وأصبح العدل غريبا وسط حشود البغى والعدوان، فإن آيات القرآن الكريم وأحاديث نبينا عليه السلام مازالت ترسم طريق الهداية للناس جميعا.

ـــ كلما أطلت علينا ذكرى مولد أكرم الخلق، ينظر الإنسان حوله، ويرى الأشياء تغيرت، وفقدت الحياة كثيرا مما دعا إليه سيد الخلق، ووجدنا عالما يسوده الظلم، وتحكمه الأهواء، وتتجه قلوب المسلمين إلى السماء تدعو للرحمة، وتطلب المغفرة، لكى تعود السفينة إلى مجراها: عدالة ورحمة وإيمانا. وحين يكون الحديث عن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام يحتار الإنسان عن أى الجوانب فى شخصيته يتحدث، وماذا يقال عن هذا العالم الذى شيده بالحكمة والعدل والأخلاق، وهذه الملايين التى آمنت بدعوته وهى لم تره، وهذه المعجزة القرآنية التى نزلت عليه من السماء لتكون وحيا وطريقا وهداية للعالمين..

ـــ عن أى الجوانب والصفات فى شخصية المصطفى يمكن أن نتوقف عندها.. إنه الرحمة يجسدها سلوكا وعملا وحياة، وإنه صلوات الله عليه رحمة لكل الناس وللعالمين جميعا، وليس لأصحابه أو المؤمنين بدعوته أو القبيلة التى ينتسب إليها.. إنه الرحمة المطلقة التى تشمل الكون كله.

وتنفيذا للقرار الإلهى يقول الرسول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. أى أن دعوته تهتدى بالأخلاق دليلا، وهنا اجتمعت الرحمة مع الأخلاق وهى دستور الإسلام..وتأتى الكلمة فى أولى آيات القرآن: (اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم). ولأن معجزة الإسلام فى كتابه، ولأن دعوة الرسول فى قرآنه، فإن الكلمة أول ما نزل من الوحى، ومعها علم الإنسان ما لم يعلم. وهذا الجمع بين الكلمة والعلم له أكثر من دلالة، ويكفى أنه يتصدر أولى آيات التنزيل.. هذه الصفات فى شخصية نبينا الكريم جاءت من السماء: الرحمة، والأخلاق، والكلمة مقترنة بالعلم. (وإنك لعلى خلق عظيم). هذه بعض صفات الرسول التى وضعها الخالق سبحانه فى نبيه وفى كتابه الكريم.

ـــ تعرض المصطفى عليه الصلاة والسلام للكثير من التحديات والأذى حتى وصل العدوان على شخصه، فيقول: اللهم أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس. ويضطر الرسول أن يهاجر بدعوته تاركا مكة، وتفتح المدينة المنورة أبوابها لخير خلق الله وهى تنشد: طلع البدر علينا.. ويودع مكة قائلا: والله إنك لأحب الأماكن إلى الله، وأحب الأماكن إلى قلبى، ولولا أن أهلك أخرجونى ما خرجت.. كان من الحكمة أن يهاجر الرسول إلى المدينة، ويختار أرضا وبشرا يؤمنون بالله واليوم الآخر ويرفعون راية الإسلام حقا ودليلا.. كانت حياة الرسول ملحمة ومعجزة إلهية زرعها فى قلب الصحراء بكل تراثه القبلى والاجتماعى، واستطاع بحكمته أن يجمع حوله حشودا مؤمنة لينطلق بها بعد ذلك إلى مكة، وهو يتلقى وحى السماء: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا).

ـــ توقف التاريخ كثيرا عند مواقف الرسول التى اتسمت بالحكمة، لأن فيها شيئا من إرادة الله. وكانت مواقف الرسول تعكس دائما قراءة ودراسة لكل الأشياء فى مجتمع من التخلف والعادات والصراعات والجهل. فكيف استطاع النبى أن ينتقل بهذا المجتمع إلى آفاق من الإيمان والوعى والحكمة، وأن يجمع حشود قريش ويبنى منهم مجتمعا جديدا، وتخرج من بين أصنامه وجهله (خير أمة أخرجت للناس).. فكان التحول الاجتماعى والحضارى من معجزات الرسالة المحمدية، وكان دخول عظماء مكة وكبار رموزها من أهم إنجازات الدعوة.. وقد توقف أعداء الإسلام عند هذه القضية: كيف لإنسان بسيط أن يصنع فى قلب الصحراء أمة تمتد فى أرجاء هذا الكون؟ وكيف عاشت أكثر من 1400 عام؟ وكيف انتشرت وأصبحت إمبراطورية لم يشهدها تاريخ البشرية من قبل؟

ـــ كان محمد صلى الله عليه وسلم الشخصية الأكثر تأثيرا فى تاريخ البشرية، ليس فقط بنظر المسلمين، بل بشهادة فلاسفة ومؤرخين وأدباء من مختلف الاتجاهات الفكرية والثقافات.. لقد اجتمعت فيه عظمة القائد، وصدق النبى، وسمو الأخلاق الإنسانية.. فى مرآة الغرب.. لم يجد المنصفون من كتاب الغرب بُداً من الاعتراف بعظمة الرسول الكريم، فتجاوزوا الحواجز الأيديولوجية ليصفوا عبقريته:

مايكل هارت فى كتابه «العظماء المائة» وضع النبى محمدا على رأس قائمته (رقم 1) لانه الرجل الوحيد فى التاريخ الذى نجح نجاحا مطلقا على المستويين الدينى والدنيوي».. وجوته الشاعر الألمانى العظيم الذى فتنته شخصية الرسول، قال عنه: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد»..وليو تولستوى الأديب الروسى الشهير الذى أعجب بتعاليم الإسلام، قال: «يكفى محمدا فخرا أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقى والتقدم».وقال برنارد شو الكاتب الأيرلندى الساخر الذى قال بوضوح: «إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل فى تفكير محمد، ولو تولى هذا الرجل حكم العالم لتمكن من حل مشكلاته بما يؤمن السلام والسعادة التى يصبو إليها البشر».. وكان عمالقة الأدب العربى الحديث تسارعوا لتقديم السيرة النبوية برؤى تحليلية أدبية رفيعة:فكتب عباس محمود العقاد (عبقرية محمد) وفيها لم يكتب العقاد سيرة تقليدية، بل قدم تحليلا نفسيا وعقليا لشخصية النبى.. ركز على «البطل» الذى واجه الصعاب بصلابة، والقائد الذى أدار الدولة بحكمة، والإنسان الذى فاضت رحمته للجميع.. أما طه حسين فى كتابه (على هامش السيرة): بأسلوبه العذب، قدم السيرة فى قالب قصصى يجمع بين التاريخ والخيال الأدبى الرفيع، مبرزا الجوانب الروحية والجمالية فى تلك الفترة.. خالد محمد خالد (رجال حول الرسول): ركز على أثر النبى فى بناء الشخصية الإنسانية، وكيف استطاع أن يصنع من أصحابه نجوما فى سماء المبادئ، مبرزا دور القيادة النبوية فى استخراج أفضل ما فى النفس البشرية.. محمد حسين هيكل (حياة محمد): قدم دراسة علمية تاريخية رصينة، رد فيها على المستشرقين واعتمد على منهج البحث الحديث لإثبات عظمة الوقائع التاريخية للسيرة.. نظمى لوقا (محمد الرسول والرسالة): قدم هذا الكاتب والمفكر (المسيحى المصري) رؤية تنضح بالإنصاف والمحبة، حيث رأى فى محمد تجسيدا للبطولة والصدق الفطرى الذى غير وجه التاريخ.

إن ما كتبه هؤلاء، سواء كانوا من أبناء دينه أو من البعيدين عنه، يثبت أن محمداً صلوات الله عليه وسلامه لم يكن مجرد زعيم ، بل كان «رحمة للعالمين». تلاقت فى شخصه صفات العظمة التى لا يبليها الزمن، وظلت سيرته منبعاً يستقى منه الأدباء والفلاسفة قيم الحق والخير والجمال.

ـــ فى ذكرى مولده يشع نورك فى سماء حياة أرهقها ظلم الطغاة وأطماع المغامرين، وتتجمع حشود البغى تهاجم دينك وقرآنك، وهم لا يعلمون أن الله يدافع عن دينه وقرآنه ولو كره الحاقدون.. إن الله يدافع عن الذين آمنوا، والله يهدى من يشاء، ولن يضل المهتدون. فى ذكرى مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام تشرق الحياة بنوره الذى لا يغيب ورحمته التى شملت الكون كله وقرآنه هدى للناس ودليلا ومرشدا.. السلام عليك يا صوت الحق والضمير... سوف نعود إليك ومعك إلى آفاق دعوتك التى كانت وستبقى صوت الإيمان، نورا أضاء الكون من أجل إنسان أكثر إيمانا ورحمة ويقينا..

 

ويبقى الشعر

 

يا للمدينة حين يبدو سحرهـــــــــا

وتتيه فى أيامها النضـــــــــــــراتِ

ومواكبُ الصلواتِ .. بين ربوعها

تهتز أركانُ الضلال العاتــــــــــــي

فى ساحةِ الشهداء لحنٌ دائـــــــــم

صوتُ الخيول ِ يصولُ فى الساحاتِ

والأفقُ وحيٌ .. والسماءُ بشائـــرٌ

والروضة ُ الفيحاءُ تاجُ صلاتِـــــــى

ويطوفُ وجهُ محمدٍ فى أرضهـــا

الماءُ طهرى .. والحجَيـج سُقـَاتـــي

ماذا أقولُ أمام نوركَ سيـــــــــدى

وبأى وجهٍ تحتفى كلمــاتـــــــــــــي

بالعدلِ .. بالإيمانِ .. بالهمم ِالتى

شيدتها فى حكمةٍ وثبــــــــــــــاتِ؟

أم بالرجال ِالصامدينَ على الهـــدى

بالحق ِ ..والأخلاق ِ.. والصلواتِ؟

أم إنه زهدُ القلوبِ وسعيهـــــــــــا

للهِ دون مغانم ٍ وهبــــــــــــــــاتِ ؟

أم أنه صدقُ العقيدةِ عندمـــــــــــا

تعلو النفوسَ سماحة النيــــــــاتِ؟

أم أنه الإنسانُ حين يُحيطـــــــــــه

نبلُ الجلال ِ وعفة ُالغايـــــــــاتِ؟

أم انه حبُ الشهادةِ عندمـــــــــــا

يخبو بريقُ المال والشهـــــواتِ ؟

أم أنه زهدُ الرجال إذا علــــــــت

فينا النفوسُ عَلى نِدا الحاجــاتِ ؟

أم إنه العزمُ الجليلُ وقد مضــــى

فوق الضلال ِ وخسةِ الرغباتِ ؟

بل إنه القرآنُ وحى محمــــــــــدٍ

ودليلنا فى كل عصــــــر ٍ آت ..

◙   ◙   ◙

يا سيدَ الدنيا .. وتاجَ ضميـــــرها

اشفع لنا فى ساحة العثـــــرات ِ

أنا يا حبيب الله ضاق بـِيَ المدى

وتعثرتْ فى رهبةٍ نبضاتــــى

وصفوكَ قبلى فوق كل صفــــاتِ

نورُ الضمير ِ وفجرُ كل حيـــاةِ

بشر ولكن فى الضمير ترفــــــعُ

فاق الوجودَ .. وفاقَ أى صفاتِ

وصفوكَ قبلى فانزوت أبياتـــى

وخَجلتُ من شعرى ومن كلماتى

ماذا أقولُ أمامَ بابك سيــــــدى

سكتَ الكلامُ وفاض فى عبراتى

يارب فلتجعل نهايةَ رحلتـــي

عند الحبيبِ وأن يراه رفاتـــــى

يومًا حلمتُ بأن أراه حقيقــــةً

ياليتنى ألقاه عند مماتــــــــــــى ..

 

من قصيدة « على باب المصطفى سنة 2010»

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلام عليك يا نبى الهدى السلام عليك يا نبى الهدى



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab