فى أجمل شواطئ مصر، وعلى امتداد الأفق من مصر إلى شواطئ نابولى وكان ومارسيليا، اقتحمت حشود الإسفاف والفوضى شواطئ الساحل الشمالى، لتجتمع حشود الفن الهابط وتقدم للعالم أسوأ ما وصل إليه الغناء المصري: قبحا وعراء وتشويها لوطن كان الفن الجميل والإبداع الراقى أعظم ما فيه..
ـــ شهدت الأيام الأخيرة أكبر موجة من الإسفاف فى تاريخ الغناء المصرى، واحتشدت الملايين من الشباب فى أكبر جراحة لتشويه العقول وإفساد المشاعر والأذواق.. صور غريبة من حشود الفن الهابط.. أصوات قبيحة وكلمات ساقطة بين العرى والفجاجة، وملابس الراقصات فى أحط الملاهى الليلية.. فى تلك الشواطىء البديعة، أكثر بلاد الله جمالا، تصيبك الدهشة وأنت تشاهد شخوصا مشوهة تنشر الفساد أمام مجتمع كان الجمال أروع ما فيه..
ـــ كيف التقى الفساد مع العرى مع التفاهة؟ كيف اجتمع الفن الهابط وفلول المال الحرام وصرخات شباب أدمن المخدرات أمام مجتمع استباح كل القيم؟ وأين عقلاء هذا الوطن من كل هذه التحولات التى شوهت تاريخا وإبداعا ومكانة؟ هل فكر أحد فيما أصاب أذواق الناس لغة وحوارا وفنا؟ إن أذواق شباب مصر هى الضحية الأولى فى هذا الهجوم الضارى على مقومات هذا الوطن.. هل سأل أحد عن مصادر تمويل هذه التشوهات التى أصابت عقل المصريين وحياتهم؟ هل اكتشف أحد العلاقة بين فساد الفنون وحالة الرواج التى تشهدها سوق المخدرات؟ هل فكر أحد فى أسباب ظهور هذه المتغيرات فى سلوكيات الشارع المصري؟ هل تحدث أحد عن علاقة الفن الهابط مع الثراء السريع ومصادره، ومن أين تتدفق الملايين على تجار المخدرات والعقارات وعلى مروجى الفن الهابط؟
ـــ نحن أمام مجتمع انقسم على نفسه بين حشود استباحت كل شيء: مالا وثراء ونفوذا وفنا، وبين شعب مغلوب على نفسه يشاهد من خلف الأسوار.. إن البعض قد يرى فى هذه الظواهر شيئا عاديا، ولكن الحقيقة أن هذه التشوهات فى السلوك والأخلاق مرتبطة ببعضها، ومن الخطأ أن نتصور أن الفن الهابط بعيد عن انتشار المخدرات، وأن غياب الوعى أقرب طريق للجريمة، وأن الطبقية البغيضة فرضت نفسها على الشارع المصرى، وأن التعليم إصلاح ورسالة، والحوار فكر وثقافة، والسلوك مسئولية شعب وسلطة، وأن المسئولية تحتم علينا أن نقرأ الواقع بصورة دقيقة..
ـــ إننا أمام أجيال جديدة أهملناها ثقافة وتربية وسلوكا، وإن الهروب من المسئولية ليس حلا، ولكنه تأكيد للعجز عن القدرة على مواجهة الواقع.
على أثرياء مصر ألا يشجعوا حشود الفن الهابط، لأنه أقرب أبواب العنف والجريمة، وأن نتعامل بجدية أكبر مع لعنة المخدرات، وأن ندرك قيمة الحوار، وأن نسمع بعضنا، وأن نخاف على كل ما هو جميل فى حياتنا. يبقى دور السلطة أن تترك مقاعد المتفرجين قليلا، وترى ما يحيط بنا من المخاطر والأزمات.. إن مؤسسات الدولة تتحمل مسئولية وطن فى أمنه واستقراره وسلامة شعبه، والغناء الهابط جريمة لا بد أن تخضع للعقاب مثل المخدرات، وهناك من يقتل فعلا ومن يدمر شعبا، ومن واجب السلطة ألا تسمح بتشويه العقول بالفن الهابط والأكاذيب.. إن الفن الهابط أخطر أساليب الكذب والتضليل، وهناك من يتاجر بهما معا.. إن حفلات الفن الهابط تحتاج موافقة القرار وضمانات حمايتها، ومن واجبها ألا تصبح مجالا للفوضى والفساد وجنى الأرباح.. هذه الحفلات لا تتم فى الخفاء، ولكنها تحت أعين الجميع، ويجب أن تخضع لكل إجراءات الحماية: حماية الشباب من الفوضى، وحماية المجتمع من الفساد، لأن الفن الهابط الذى يجتاحنا الآن أسوأ مظاهر الفساد.
ـــ يخيل لى أحيانا أن هناك علاقة بين ما يحيط بنا من التحديات، وأن هناك أطرافا داخلية وخارجية تمارس هذه الأدوار ،لا أفصل بين موجات الغناء الهابط وأموال المخدرات.. هناك من ينفق بسفه لإفساد الغناء المصرى وتغييب عقل المصريين، وهذا لا ينفصل عن عالم الجريمة وما تشهده مصر الآن من ظواهر إجرامية جديدة علينا.. ولا شك فى أن الغزو المالى الذى اجتاح حياة المصريين من مناطق كثيرة أدى إلى اختلال منظومة القيم فى سلوكيات الناس، بحيث أصبح المال صاحب السلطة والقرار..
وفى تقديرى أن هذه الظواهر مجتمعة تحتاج إلى معالجات أمنية تتسم بالحسم والأمانة.. إن للمال سطوة ونفوذا، ولكن ليس بهذه الصورة الوحشية التى يتحكم فيها فى كل شيء، ولنا أن نتصور غناء قبيحا فجا، وعقلا مغيبا، ودماء رخيصة، وإنسانا يتحمل ذلك كله.. إن الضحية فى ذلك كله أجيال جديدة انقسمت على نفسها بين القدرات والعجز، ومن ملكوا الأرض وما عليها، ومن حرمتهم الحقيقة من كل الفرص فى حياة كريمة.
ـــ من أخطر الظواهر السيئة فى مصر تلك الحفلات التى اقتحمت حياة المصريين، رغم أنها لا تقدم فنا.. إنها تجمعات غريبة أشبه بالملاهى الليلية، وإذا أردت أن تعرف الأسماء فهناك قائمة تضم عشرات المهرجانات التى يتوافد عليها النجوم والكومبارس، وإذا سألت عن عمل فنى أو نجم قدم إبداعا فلن تجد غير الليالى الحمراء التى لا تليق بالفن الحقيقى.. إن حشود الغناء الهابط، صوتا وكلاما وصخبا وضجيجا، تحولت إلى أدوات هدم للأجيال الجديدة، ولن تجد من يمنع أو يحاسب، لأن هناك شراكة غير معلنة بين الإسفاف والمخدرات والجريمة، وهذه الثلاثية أصبحت الآن أخطر أساليب تدمير الشباب، أمام غياب الوعى وتهميش الثقافة وسطوة المال الذى يحرك كل شيء. لا أحد يهتم، ولا أحد يرصد الظواهر، والكل غرق فى مستنقع المصالح والابتزاز.
ـــ هناك سؤال يفرض نفسه: أين مؤسسات الدولة والنقابات المسئولة عن الفن والإعلام والثقافة؟ وأين المال الذى يمول كل هذه الأنشطة؟ وقبل هذا كله، أين فرسان النقد ورهبان الكتابة وحماة الذوق العام وعشاق الفن الأصيل فى ربوع المحروسة؟
ويبقى الشعر
مَاذا أخذتَ مِنَ السَّفـَرْ..
كـُلُّ البلادِ تـَشَابَهَتْ فى القهْر..
فى الحِرْمانِ.. فى قـَتـْل البَشَرْ..
كـُلُّ العيُون تشَابَهتْ فى الزَّيفِ.
فى الأحزان ِ.. فىَ رَجْم القـَمَرْ
كل الوُجوهِ تـَشابَهتْ فى الخوْفِ
فى الترحَال.. فى دَفـْن الزَّهَرْ
صَوْتُ الجَمَاجـِم فى سُجُون اللـَّيل
والجَلادُ يَعْصِفُ كالقـَدَر ..
دَمُ الضَّحَايَا فـَوقَ أرْصِفـَةِ الشـَّوارع
فى البُيوتِ.. وفى تجاعيدِ الصَّورْ..
مَاذا أخـَذتَ منَ السَّفـَر ؟
مَازلتَ تـَحلـُمُ باللــُّيالى البيض
والدِّفْء المعَطـّر والسَّهَرْ
تـَشـْتـَاقُ أيامَ الصَّبابَةِ
ضَاعَ عَهْدُ العِشْق وانـْتـَحَر الوَتـَرْ
مَازلتَ عُصفـُورًا كسِير القـَلـْبِ
يشدُو فـَوْقَ أشـْلاءِ الشَّجَرْ
جَفَّ الرَّبيعُ..
خـَزائِنُ الأنـَهار خـَاصَمَها المَطـَرْ
والفـَارسُ المِقـْدامُ فى صَمت
تـراجَعَ.. وانتحَرْ ..
مَاذا أخـَذْتَ مِنَ السّفـَر ؟
كـُلُّ القصَائِدِ فى العُيُون السُّودِ
آخرُهَا السَّفـَر ..
كلُّ الحَكايَا بَعْدَ مَوْتِ الفـَجْر
آخرُها السَّفـَر ..
أطـْلالُ حُلمِكَ تـَحْتَ أقدام السِّنِين..
وَفى شـُقـُوق ِ العُمْر.
آخُرها السَّفـَر ..
هَذِى الدُّمُوعُ وإنْ غَدَت
فى الأفق ِ أمطـَارًا وزَهْرًا
كانَ آخَرُهَا السَّفـَر
كـُلُّ الأجـِنـَّةِ فى ضَمِير الحُلـْم
ماتـَتْ قـَبْـلَ أن تـَأتِى
وَكـُلُّ رُفـَاتِ أحْلامِى سَفـَر ..
بالرَّغـْم مِنْ هَذا تـَحنُّ إلى السَّفـَر؟!
مَاذا أخذْتَ مِنَ السَّفـَر؟
حَاولتَ يومًا أن تـَشُقَّ النـَّهْر
خَانـَتـْـكَ الإرَادَهْ
حَاوَلتَ أنْ تـَبنِى قـُصورَ الحُلـْم
فى زَمن ِ البَلادَهْ
النبضُ فى الأعْمَاق يَسقـُط كالشُّموس الغَاربهْ
والعُمْر فى بَحْر الضَّياع الآنَ ألقـَى رأسَه
فـَوقَ الأمَانِى الشـَّاحِبهْ ..
شَاهَدْتَ أدْوارَ البَراءةِ والنذالةِ والكـَذِبْ
قـَامْرتَ بالأيام فى«سِيركٍ»رَخيصٍ للـَّعِبْ.
والآنَ جئـْتَ تـُقيمُ وَسْط َ الحَانـَةِ السَّودَاءِ.. كـَعْبَهْ
هَذا زَمانٌ تـُخـْلـَعُ الأثوابُ فِيهِ..
وكلُّ أقدار الشُّعوبِ عَلى الـَموائِدِ بَعض لـُعْبهْ..
هَذا زَمانٌ كالحِذاء..
تـَراهُ فى قـَدَم المقـَامِر والمزَيِّفِ والسَّفِيهْ ..
هَذا زَمَانٌ يُدْفـَنُ الإنسَانُ فِى أشْلائِه حيّا
ويُقـْتلُ.. لـَيْسَ يَعرفُ قـَاتِليهْ..
هَذا زَمانٌ يَخـْنـُقُ الأقمَارَ ..
يَغـْتـَالُ الشُّمُوسَ..
يَغـُوصُ.. فى دَم الضَّحَايَا ..
هَذا زَمَانٌ يَقـْطـَعُ الأشْجَارَ
يَمْتـَهنُ البرَاءَة َ
يَسْتـَبيحُ الفـَجْرَ.. يَسْتـَرضى البَغـَايَا
هَذا زَمَانٌ يَصلـُبُ الطـُّهْر الـَبرىءَ..
يُقيمُ عِيدًا.. للـْخـَطـَايَا ..
هَذا زَمَانُ الموْتِ ..
كـَيْفَ تـُقِيمُ فوقَ القـَبْر
عُرسًا للصَّبايَا ؟!
عُلبُ القمَامَة زينـُوهَا
رُبَّمَا تبْدو أمَامَ النـَّاس.. بُسْتـَانـًا نـَديّا
بَينَ القمَامَة لنْ ترَى.. ثوْبًا نـَقِيّا
فالأرْضُ حَوْلكَ.. ضَاجَعَتْ كلَّ الخطايَا
كيْفَ تحْلم أنْ تـَرى فيهَا.. نـَبيّا
كـُلُّ الحَكايَا.. كانَ آخرُهَا السَّفـَر
وَأنا تـَعِبْت مِنَ السَّفـَر..
-----------------------------------------
قصيدة « ماذا أخذت من السفر » سنة 1989