بقلم:فاروق جويدة
من أجمل الذكريات التى عشتها عدد كبير من الأصدقاء الذين شاركونى رحلة الحياة، وفى السنوات الأخيرة أفتقدت الكثير منهم، بعضهم صعد إلى السماء وترك فراغًا لا يعوضه أحد، وهناك من هاجر إلى بلاد أخرى ولم أعد أعرف عنه شيئًا، وهناك من شغلته الأيام واختار أن يبتعد، وفى كل هذه الحالات أصبحت الحديقة خالية من طيورها، وزادت وحشة الأيام.. وكلما حملتنى الذكريات إلى صديق رحل أو هاجر أو غابت عنى أخباره، يجتاحنى إحساس شديد بالغربة، وليس من الضرورى أن تغيب الأجساد والأماكن، لأن الغربة الحقيقية أن تشعر بالغياب حتى لو لم تفارق البشر والأماكن.
كثيرًا ما تحملنى الذكريات إلى صديق أو مكان أو زمن، وكثيرًا ما يجد الإنسان نفسه أمام وجوه غابت وقلوب نسيت، ويرى الأشياء حوله لم يتغير شيء فيها. من أصعب اللحظات فى حياة الإنسان أن يجد نفسه وحيدًا رغم حشود الزحام حوله.
إن الوحدة ليست فى غياب البشر، ولكن فى غياب الدفء والمشاعر، ولهذا فإن الأصدقاء هم أجمل سنوات العمر، وحين يغيبون تفقد الأماكن روحها، ويفقد الزمان إحساسنا به، وتصبح الأيام بلا طعم أو لون أو رائحة.. إذا كان لديك صديق من الزمن الجميل، فلا تفرط فيه، لأنك لن تعوضه أبدًا.
فى أسواق الصداقة عملات كثيرة مزورة، وهى رخيصة فى قيمتها حتى لو كانت فى بريق الذهب.. صديق واحد من الذهب أغلى من كل عملات الدنيا..
لم تعد العلاقات الإنسانية الآن تحمل جسور المودة كما كانت، سادت حالة من الجفاء والبعد، وغابت طيور الرحمة، وانتشرت بين الناس ظواهر غريبة من الإحساس بالغربة.
ومن أصعب الأشياء فى زماننا أن تجد صديقًا، لأن لغة المصالح تحكم العلاقات بين الناس. كثيرًا ما أنظر حولى وأرى الحديقة خالية.