رياض السنباطى عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان

رياض السنباطى.. عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان

رياض السنباطى.. عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان

 العرب اليوم -

رياض السنباطى عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان

بقلم:فاروق جويدة

قليلا ما اجتمعت عبقرية الإبداع مع كبرياء الفن، وهناك نماذج قليلة، إذا لم تكن نادرة، وهبها الله الإبداع مع الكبرياء. فقد يكون المبدع عبقريا فى إبداعه ولا يعرف للكبرياء طريقا.. كان رياض السنباطى مبدعا جمع الكبرياء إنسانا، وعبقرية الفن لحنا وصوتا وتأثيرا..

◙ عرفت السنباطى وكنت قريبا منه فى سنواته الأخيرة.. كان قد اعتزل الناس، وعاش فى شقة متواضعة أمام نادى الشمس فى مصر الجديدة.. اختار العزلة فى آخر أيامه، وبعد أن رحلت كوكب الشرق وأحمد رامى، صديقا عمره، اكتفى بوحدته وصديقه الذى رافقه مشوار حياته.. كنت أزوره كثيرا، وكان أحيانا يطلبنى، ونحكى معا، أو نلتقى فى بيته البسيط المتواضع.. كنت أسمع له كثيرا، خاصة ذكريات شبابه وحكاياته مع أم كلثوم.. بعد أن رحلت، ذهبت أعزيه، وبكى وقال: «لقد انتهى كل شيء مع غيابها»..

◙ هناك مواهب وعبقريات لا تموت، وتعيش فى وجدان شعوبها، وكلما هبطت سحابة سوداء، انطلق ضوء الشمس يحلق بالقلوب، ويعيد لها عبق الفن الجميل والإحساس الصادق. وفى ذكرى رياض السنباطى، تطل علينا أجمل ألحانه سحرا وجمالا وبهاء، ونتمنى لو عاد الزمان بنا، وعاد النيل مختالا فى ربوع المحروسة، وعادت طيورها بعد طول غياب.. لم يكن رياض السنباطى ضوءََا عابرا فى حياتنا، بل كان شمسا لن تغيب، وسوف تبقى مصدر إلهام وحب وجمال. مضت بنا سنوات العمر، وكانت أجمل أقدارنا أننا عشنا زمن العبقرية، إبداعا وفنا وكبرياء.

◙ فى سنواته الأخيرة، عانى رياض السنباطى كثيرا من المرض، وكانت ظروفه الصحية فى غاية القسوة، وكانت له مشكلات كبيرة مع مصلحة الضرائب، رغم حرصه على سداد ما عليه من المستحقات.. لم يكن يشارك فى أى مناسبات اجتماعية أو فنية، إلا لقاءات عابرة.. وعندما اشتدت عليه محنة المرض، اتصل به د. رشاد رشدى، وكان مستشارا للرئيس السادات، وأخبره بأن الرئيس قرر تكريمه فى عيد الفن، وأنه يتمنى لو أنه شارك فى الحفل وغنى أغنيته الشهيرة «إله الكون أنا حيران». وغضب السنباطى، وسأل رشاد رشدي: «من أنت؟ وماذا تعمل؟ وهل يعقل أن أغنى فى هذا العمر وأنا مريض؟» وأغلق السنباطى التليفون، واعتذر عن التكريم..

◙ قلت إن رياض السنباطى كان يعتز كثيرا بصورة الفنان، ويرى أن كبرياءه جزء من موهبته.. كان دائما يتحدث عن أول لقاء بينه وبين أم كلثوم.. كانت مع والدها يحييان حفلا فى المنصورة، وكان مع والده يقيمان حفلا آخر.. وتصافح الجميع، ومضى كل فى طريق.. وبعد سنوات، التقت أم كلثوم السنباطى فى رحلة إبداع خالدة.. كان لقاء الثلاثي: أم كلثوم والسنباطى ورامى، من أجمل أقدار هذه العبقريات، صوتا ولحنا وشعرا.. ولو ظهر كل واحد فى طريق مختلف، لما كانت هذه المعجزة فى تاريخ الغناء العربى.. كثيرا ما يزورنى خاطر عن هذه العبقريات التى صنعت زمنا، وصاغت وجدانا، وشكلت عصرا، وقدمت إبداعا شهدت به الدنيا. وكيف خلت الحديقة من طيورها، ولم يبق فيها غير بقايا أطلال وذكريات وقلوب متعبة.. كان السنباطى عصرا من الجمال والبهاء والمتعة، وعشنا معه أجمل أحلامنا وأيامنا وليالينا.

◙ اشتد المرض على السنباطى، ولم يتوقف عن الإبداع، وكانت أسطورته الخالدة مع «الأطلال» لإبراهيم ناجى، وقد أجرى السنباطى 24 بروفة قبل أن ينطلق بها، وتصبح أغنية القرن فى تصنيف منظمة اليونسكو.. وزادت حدة المرض، وكانت الوحدة وغياب أم كلثوم ووحشة الأيام بعدها أسبابا أضافت لمعاناته.. وطلب أحد الأمراء العرب أن يسافر السنباطى إلى سويسرا للعلاج على نفقته، وتمت جميع إجراءات السفر.. وقبل أن يسافر بأيام، اتصل بمكتب الأمير لكى يشكره، وكان الرد أن الأمير مشغول ولا يكلم أحدا. وانطلق كبرياء السنباطى، وألغى كل شيء.. مات السنباطى ولم يسافر..

◙ فى سنواته الأخيرة، لحن خمسة ألحان لصوت لبنان فيروز، وغنت له ميادة قصيدة «أشواق» لشاعرنا الراحل مصطفى عبدالرحمن، وغنت له وردة «ضاع حبى من يدى» لإبراهيم عيسى، وبقى السنباطى يغنى حتى آخر أيامه.. كانت مصادفة غريبة أن يرحل السنباطى مع أنور السادات فى أسبوع واحد، وخشيت أن يكون رحيل السادات على حساب السنباطى، ونشرت يومها فى الأهرام صفحة كاملة أودع السنباطى، ملك القصيدة، كما قال عنه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب. وكان حظى أننى عشت زمانهما، وغنيت معهما، وكانا أجمل سنوات العمر.

◙ فى قائمة الإبداع المصرى تتصدر عبقرية رياض السنباطى الساحة مع الثنائى أم كلثوم ورامى، ولا شك فى أن تجربته مع أم كلثوم كانت فريدة إبداعا وتنوعا، وكانت قصائده تاريخا صنع معجزة فنية لم تتكرر فى تاريخ الموسيقى العربية. كانت مدائح شوقى من أجمل ما شدت أم كلثوم، وكانت الأطلال ملحمة من أهم وأجمل ألحان السنباطى، وكانت أغنيات رامى ميلادا جديدا للعامية المصرية.. لقد تنوعت إبداعات السنباطى، وكان صوت أم كلثوم الأفق البعيد الذى حلقت فيه الأغنية فى عصرها الذهبى. سوف يتوقف تاريخ الغناء عند عبقرية السنباطى تميزا وتفردا وإبداعا. حلقت أم كلثوم مع السنباطى فى أكثر من 90 لحنا، وغنى له عشرات المطربين والمطربات: هدى سلطان وليلى مراد وعبدالمطلب وعبدالحليم وشادية ووردة..كان يتمتع بصوت جميل، وبدأ حياته مطربا. ذهب لدراسة العود فى معهد الموسيقى، وانبهرت لجنة الامتحان بعزفه، وعينته مدرسا للعود فى المعهد..

◙ لم يكن رياض السنباطى فنانا عاديا، ولم يكن إنسانا عاش الحياة مثل كل الناس، فقد أخلص للفن كل حياته، وقدم أجمل ما عنده. وكان السنباطى يقدر موهبته، وحرص دائما على أن يحافظ على كبرياء الفنان، فلم يتنازل، ولم يفرط، ولم يطرق الأبواب. ولعل هذه الصورة التى جسدها فنا وإنسانا وحضورا، هى التى منحته حضوره الطاغى الذى حافظ عليه طوال حياته.

ما أحوج الفن المصرى الآن إلى هذه الروح التى شيدت هذا التاريخ الحافل للفن المصرى. إن الكثير مما نرى الآن ونسمع يمثل إساءة بالغة للإبداع المصرى، ويجب أن نطهر الأرض من هذه العشوائيات التى شوهت ينابيع الفن وأساءت لتاريخه.

◙ كان السنباطى نموذجا للفن الراقى والكبرياء المترفع، وسوف يبقى علامة مضيئة فى العبقرية والإبداع. لحظات قليلة يتوقف الزمن عندها، ويضيء مشاعل الفن فى حياة الشعوب.

لقد عرفت السنباطى عن قرب سنواته الأخيرة، وكان يجسد الإبداع الحقيقى مع كبرياء يدرك قيمة الفن رسالة ودورا وجمالا.

 

ويبقى الشعر

 

مَا عُدْتُّ أَعْرِفُ

أين أنْتِ الآنَ يَا قَدرِى

وَفِيٌّ أَىِّ الحَدَائِق تُزْهِرِينْ ؟

فِى أَىٍّ رُكنِِ فِى فَضَاءِ الكَوْنِ

صْرِتِ تُحَلِّقِينْ؟

فِى أَيْ لُؤْلُؤَةُ سَكَنْتِ..

بأى بَحْرِ تَسْبَحِينْ؟

فِى أَىِّ أَرْضٍ..

بَيْنَ أحْداقِ الجَدَاوِلِ تُنَبتِينْ؟

أَيُّ الضُّلوع قَدِ احْتَوتك ِ

وَأَيُّ قَلْبِ بَعْد قَلْبِى تَسكُنِينْ!

◙   ◙   ◙

مَازلتُ أَنْظُرُ فِى عُيونِ الشَّمْسِ

عَلَّك فِى ضيِاها تُشَرقِينْ

وَأُطِلُّ لِلبَدْرِ الحَزِينِ لَعَلَّنىِ

أَلْقَاكِ بينَ السُّحُبِ يَومًا تعْبرِينْ

لَيلٌ مِنَ الشَّكّ الطَّوِيلِ أَحَاطَنِى

حَتَّى أَطَلَّ الفَجْرُ فِى عَينَيْكِ نهرًا مِنْ يَقِينْ

أَهْفُو إِلَى عَينَيْكِ سَاعَاتٍ..

فَيبدَوُ فِيهِمَا

قيْدُ.. وعَاصِفَةٌ..عُصْفُورُ سَجيِنْ

أَنَا لَمْ أزَلْ فوَقَ الشَّواطئَ

أَرْقُبُ الأَمْواجَ أَحْيانًا

يُراوِدُنِى حَنِينُ العَاشِقينْ…

◙   ◙   ◙

فِى مَوكِبِ الأَحلَامِ ألمحُ مَا تَبقَّى

مِنْ رَمادِ عُهودِنَا..

فَأْرَاكِ فِى أَشْلائِهَا تَتَرنَّحِينْ..

لَمْ يبْقَ مِنْك

سَوى إرْتعَاشَةِ لَحْظَةٍ

ذَابَتْ عَلَى وَجْهِ السّنِينْ

لَمْ يَبْقَ مِنْ صَمْتِ الحقَائِبِ

والكُئوسِ الفَارغَات سِوَى الأَنِينْ

لَمْ يبقَ مِنْ ضَوْءِ النَّوَافِذِ

غَيرُ أَطْيافٍ تُعَانقُ لهفَتِى

وَتُعِيدُ ذِكرَى الرَّاحِلينْ..

مَازِلتُ أَسْأَلُ : مَا الَّذِى

جَعَلَ الفَرَاشَةَ تُشْعِلُ النِّيرانَ

فِى الغُصْنِ الوَدِيعِ المستْكِينْ؟!

مَازِلتُ أَسْأَلُ : مَا الَّذِى

جَعلَ الطيورَ تَفِرُّ مِنْ أَوْكَارِهَا

وَسْطَ الظَّلَامِ..

وَتَرْتَمِى فِى الطِّينِ؟!

◙   ◙   ◙

ما عُدْتُ أَعْرِفُ

أين أَنْتِ الآنَ يَا قَدَرِي

إِلَى أَىِّ المدَائِنِ تَرحَلِينْ؟

أَنَّى أَرَاكِ

عَلَى جَبِينِ الموْجِ..

فِى صَخَبِ النَّوارِسَ تَلْعَبِينْ..

وَأرَى عَلَى الأُفْقِ البَعِيدِ

جَناحَكِ المنقُوشَ مِنْ عُمرِي

يحلِّقُ فَوْقَ أَشْرِعَةِ الحَنِينْ

وَأرَاكِ فِى صَمْتِ الخَرِيفِ

شُجَيْرَةً خَضْراءَ...

فِى صَحْرَاءِ عُمْرِى تَكْبُرِينْ

وَيَظَلُّ شِعْرِي

فِى عُيُونِ النَّاسِ أحْداقًا

وَفِى جَنْبِى سِرًّا..لَا يَبينْ

لَمْ يبقَ مِنْ صَوْتِ النوارِسِ

غَيرُ أَصْدَاءٍ تُبعْثِرُهَا الرِّيَاحُ فَتنْزَوِي

أَسَفًا عَلَى المَاضِى الحَزِينْ

أَنَا لَمْ ازِلْ بينَ النوارِسِ

أَرقُبُ اللَّيلَ الطَّويلَ

وأشْتَهَى ضَوءَ السَّفِينْ

مَا زِلتُ أَنْتَظِرُ النوارِسَ

كُلَّمَا عَادَتْ مَوَاكِبُها

وَرَاحَتْ تَنثُرُ الأَفْرَاحَ فَوقَ العَائِدِينْ

◙   ◙   ◙

مَا عُدْتُ أَعْرِفُ..

أين أَنْتِ الآنَ يَا قَدَرِى

وفِى أَيّ الأَمَاكِنِ تَسْهَرِينْ؟!.

العَامُ يَهربُ مِنْ يَدِى

مَا زَالَ يَجْرِى فِى الشَّوَارِعِ..

فِى زِحام النَّاسِ مُنْكَسِرَ الجبينْ

طِفْلٌ عَلَى الطُّرقَاتِ

مَغْسُولٌ بَلْونِ الحبّ

فِى زَمَنِ ضَنِينْ

قَدْ ظَلَّ يَسْأَلُ عَنْكَ كُلَّ دَقِيقَةٍ

عِنْدَ الوَدَاعِ، وَأَنْتَ لَا تَدْرِينْ

بِالأَمْسِ خَبَّأَنِى قَلِيلًا فِى يَدَيْه..

وَقَالَ.. فِى صَوْتٍ حَزِينْ:

لَوْ تَرجِعِينْ

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رياض السنباطى عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان رياض السنباطى عبقرية الإبداع وكبرياء الفنان



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab