بقلم: فاروق جويدة
كان الموسيقار محمد عبدالوهاب يقضى فصل الصيف فى باريس، وكان ينزل فى الرويال سويت فى الانتركونتيننتال ثلاثة أشهر كاملة.. وجمعتنا الأقدار حين قضيت شهرا فى مؤتمر لليونسكو، وكنت أزور عبد الوهاب أسبوعيا فى الفندق. وكان يستقبل كبار المسئولين العرب من الأمراء والسفراء والسياسيين.
وأذكر يوما أننى ذهبت إليه، وفوجئت بعدد من الأمراء يجلسون على الأرض، بينما عبدالوهاب يجلس على مقعد مرتفع. كنت أشعر بالفخر، وأنا أشاهد هذا الموقف.. كان عبد الوهاب هو الملك .. يومها غنى عبد الوهاب بعض أبيات أمير الشعراء أحمد شوقى فى رائعته «مجنون ليلى»، وما زالت هذه الأبيات فى مكتبتى بصوت عبد الوهاب حتى الآن.
كنت يومها سعيدا وأنا أشاهد الملك محمد عبدالوهاب. والآن أتذكر قصة سمعتها منه، حين حدثت مناوشة بين إحدى بنات الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وابنة عبد الوهاب فى أحد النوادى الشهيرة. وقالت ابنة عبدالناصر: «أنت تعرفى أنا مين؟ أنا بنت عبدالناصر». ردت ابنة عبدالوهاب عليها: «أنا ابنة محمد عبدالوهاب». وعرف عبدالوهاب القصة. كانت أيام.
كانت أقدار الناس محفوظة، وكان الكبير كبيرا بتاريخه. كان جمال عبدالناصر زعيما فى السياسة، وكان محمد عبدالوهاب ملكا فى الفن، وكانت مصر كعبة الجميع.
ذهب عبد الوهاب فى صحبة أمير الشعراء أحمد شوقى لزيارة زعيم الأمة سعد باشا زغلول، واستقبل الزعيم أمير الشعراء، وقال شوقى: «أهلا بالزعيم»، ورد عليه سعد باشا: «أهلا بالخلود». ما أجمل أن تجتمع الزعامة مع الخلود، وبينهما التاريخ.
كانت حياة عبدالوهاب موسوعة جمعت الفن والإبداع والأحداث والشخصيات، وكان ملكا فى أكثر من عصر وأكثر من زمان.