بقلم: فاروق جويدة
أشعر بحزن شديد كلما شاهدت دماء شجرة عتيقة تسيل فى الشوارع، بينما يقف إنسان بلا قلب يشاهد الأغصان تتساقط أمامه، وهو يشعر بنشوة غريبة. كنا نخرج من جامعة القاهرة ونعبر حديقة الأورمان ونتجه إلى شاطئ النيل، وكانت الأشجار تحيط بنا من كل جانب. كان البعض يتجه إلى حديقة الحيوان، والبعض الآخر يجلس تحت أشجار الأورمان، وكنت تشعر أنك تسير وسط حدائق المدن العريقة فى أوروبا. وفى الفترة الأخيرة شهدت حدائق القاهرة عمليات قطع كثيرة فى الزمالك ومصر الجديدة والعجوزة، وممشى النيل الذى قطعوا أشجاره ولم يكتمل، وما زال قطع الأشجار يدور فى أكثر من مكان. ويقال إن هناك مشروعات جديدة يجرى الإعداد لها فى حديقة الحيوان وحديقة الأورمان لإنشاء ملاهٍ ومطاعم، رغم أن عمر الأشجار فيهما تجاوز مائة عام. وأذكر أننى زرت أمريكا فى الثمانينيات، وكنت أقيم فى ولاية فرجينيا، وشاهدت شجرة ضخمة قِيل أن عمرها 150 عامًا. وعلى شاطئ النيل كانت أشجار شارع أبو الفدا فى الزمالك يتجاوز عمرها مائة عام، ولا أحد يدرى ما هى أسباب العداء بين الأشجار وعدد من المسئولين عن الحدائق، وكيف يتآمر البعض على الجمال. إن جرائم قطع الأشجار لا تقل عن قتل البشر، وما زال مسلسل الاغتيال يمضى دون حساب، وما زالت صور الشوارع العارية تثير سؤالًا حائرًا: من أين جاء أعداء الجمال؟
أرجو أن يتوقف قطع الأشجار فى قاهرة المعز، حتى لو توقف إنتاج الأخشاب وتصديرها بالعملات الصعبة. من أسوأ الظواهر فى حياة الشعوب أن تروج القبح وتعادى الجمال..
مع جنون حرارة الجو، تصبح الأشجار مأوى لا غنى عنه، ويصبح قطع الأشجار جريمة لا تغتفر.