بقلم: عبد المنعم سعيد
كان الشائع ما بين «الأهراميين» - العاملين فى الأهرام - أنه عندما يذكر لقب الأستاذ فى مجلس فإن ذلك يعنى الأستاذ محمد حسنين هيكل. مكانه فى هذه السلسلة من الأعمدة أنه كان أول من استغل التسجيلات اليومية فى الحروب العربية الإسرائيلية فى بحث أسباب الكوارث الكبرى، والانتصارات العظمى أيضا. أول التدريب على هذه النوعية من الأدب جاءت فى كتابه «العروش والجيوش» الذى كان «قراءة فى يومية الحرب لقيادة القوات المصرية فى فلسطين (1948) وهى الحرب التى شكلت «لحظة الانفجار الكبرى فى الصراع العربى - الإسرائيلى» عندما «تمددت كتلته، وبدأ زمانه»! (علامة التعجب فى نص الأستاذ). وللحق فإن الأستاذ لم يعتمد فقط على يوميات الحرب وإنما نظر فى محاضر مجلس الوزراء الإسرائيلى عن الفترة من 15 مايو إلى 31 ديسمبر 1948, وثائق الأرشيف الصهيونى المركزى عن نفس الفترة، وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية التى أذيعت سنة 1978, وثائق وزارتى الخارجية الأمريكية والبريطانية عن عام 1948؛ ويوميات الحرب التى كان «دافيد بن جوريون» رئيس وزراء إسرائيل سجلها بيده. كل ذلك مضافة إليه تسجيلات للأمم المتحدة، وبعضها لشهود عيان، ودراسة «آفى شليم» فى جامعة أكسفورد.
هذه النوعية من الأدب غائبة أو محدودة، ونادرا ما تعتمد على أصول ما حدث ومسجل فى وثائق رسمية, ورغم أن المذكرات الشخصية أطلت على حقائق مُرة فإن التسجيل للحقائق فى زمنها كثيرا ما يسهم فى التوصل إلى استنتاجات تصيب بسببها توصيات ناجعة. وللحق فإننى لم أكن لصيق المعرفة بحقائق المواجهة مع إسرائيل، بحيث أشارك فى كتاب مدرسى يدرس فى الجامعات الأمريكية لولا التراث الكبير الذى تركه الأستاذ للتعامل مع مفردات الصراع وحقائقه. وأثناء إعداد أطروحتى للدكتوراة عن «الولايات المتحدة وأزمة 1973 فى الشرق الأوسط» لم أكن أسعد فقط بكتبه كمصادر للبحث، وإنما فرحة إعجاب المشرفين وما وجدوه من المصادر التى كشفت عما كان غائبا فى المصادر الأمريكية خاصة عن دور الاتحاد السوفيتى.