بقلم:عبد المنعم سعيد
الحروب فى عالم اليوم لا تنتهى وفق إرادة من شنوها، لأنه كما فى الموسيقى، فإن «التانجو» يحتاج إلى طرفين؛ وفى الواقع فإن وقف إطلاق النار والتسوية والسلام لا تحدث إلا عند توافقهما. المعضلة أن الموافقة أو الرفض تتدخل فيها ناصية أخرى غير القادة والزعماء، وهى الرأى العام، وفى قول آخر الجبهة الداخلية. الحروب لا تحدث فقط عند الحدود الجغرافية، وإنما فى داخل الوعى والفكر للشعوب المعنية. وفى الحروب المعنية - أوكرانيا وإيران وغزة - فإن تراكم الكراهية عبر زمن يقود إلى اتجاهات انتقامية تنعكس على النخبة، التى تبدأ فى تصميم أهداف خيالية تعقد ما هو أكثر تعقيدا. فى إسرائيل، بدأت مراكز البحوث والتفكير فى المطالبة بإعادة تركيب الشرق الأوسط مرة من خلال وضع الدول العربية فى مسار الاختيار بين الدولة العبرية بصورتها الحالية المتوحشة والإمبريالية؛ وإيران التى وجدت فى الاعتداء على دول الخليج وسيلة للمشروع الفارسى للسيطرة من خلال الميليشيات التى تضع كيانها الوطنى فى موضع الاختيار ما بين الحرب الأهلية وبقاء ازدواجية السلاح واحتكار قرار الحرب والسلام. الاختيار هنا يأخذ مسارات بين التقدم والتخلف، والاستقرار والفوضي، والتنمية والرخاء والحروب الأهلية.
مراكز أخرى تريد إعادة تركيب الشرق الأوسط مرة أخرى بالعودة إلى اتفاقية «سايكس بيكو» التى فرضت كيانات سياسية ينبغى فكها إلى دول تقوم على أساس الأديان والطوائف والأجناس. باختصار أن تكون مثل إسرائيل نفسها، يهودية وعبرانية وصهيونية، وفى كل ذلك أصولية تتنافس مكوناتها السياسية فى تحقيق «إسرائيل الكبرى». وما يبقى الحروب دائمة التطور التكنولوجى، الذى بات حاسما فى إطالة الحرب الروسية ــ الأوكرانية، حيث نجح العلماء فى إبداع طائرات مسيرة رخيصة وعالية التدمير وانتحارية أحيانا، والأهم أنها قادرة على الوصول إلى موسكو. الميليشيات التابعة لإيران فى حرب غزة الخامسة وحرب الخليج الرابعة بدأت فى استخدام الصواريخ والمسيرات حتى من قبل الحروب الحالية التى انتقلت عبر الحدود بين أوروبا والشرق الأوسط.