في زمن السرعة الرقمية، لم تعد الأخبار الكاذبة مجرد أخطاء مهنية أو انزلاقات إعلامية عابرة، بل أصبحت أداةً سياسيةً كاملةَ الأركان. خبر واحد، أو منشور واحد، أو صورة مصحوبة بتعليق مضلل، يمكن أن ينتقل في ساعات قليلة من صفحة مجهولة إلى آلاف الحسابات والمنصات، قبل أن يصبح في نظر جزء من الرأي العام «حقيقة» لا تقبل النقاش.
هذا بالضبط ما حدث خلال الأيام الأخيرة مع الرواية التي انتشرت على نطاق واسع، ومفادها أن «83 مستشاراً برلمانياً بمجلس المستشارين صوتوا ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم استيراد الأغنام». انتشرت المعلومة كالنار في الهشيم، وتناقلتها صفحات سياسية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تحولت تدريجياً إلى يقين جماعي لدى كثيرين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقق من أساسها القانوني أو الإجرائي.
المثير في هذه القضية ليس فقط سرعة انتشار الخبر، بل الطريقة التي تم بها بناؤه. فالرواية اعتمدت على فكرة بسيطة وسهلة التسويق: هناك أغلبية برلمانية تخشى الحقيقة، لذلك صوتت ضد لجنة لتقصي الحقائق. إنها رواية جذابة سياسياً، سهلة الفهم والتداول، وتستجيب لميل طبيعي لدى الجمهور لتصديق الأخبار التي تؤكد قناعاته المسبقة.
غير أن المشكلة تبدأ عندما نصطدم بالوقائع.
حسب المعطيات القانونية والدستورية المنظِّمة للجان تقصي الحقائق، فإن إحداث هذه اللجان لا يبدأ أصلاً بعملية تصويت عمومي داخل المجلس كما تم الترويج لذلك. الدستور ينص على شروط محددة، من بينها توفر النصاب القانوني المطلوب من التوقيعات قبل المرور إلى باقي مراحل المسطرة. وفي حالة مجلس المستشارين، الذي يضم 120 عضواً، يتطلب الأمر توقيع ثلث الأعضاء، أي ما لا يقل عن 40 مستشاراً. وإذا لم يتحقق هذا الشرط، فإن المسطرة لا تنتقل أصلاً إلى مرحلة التصويت التي جرى الحديث عنها في وسائل التواصل الاجتماعي.
بمعنى آخر، السؤال القانوني الأول ليس «من صوت ضد اللجنة؟»، بل «هل تم استيفاء شروط تقديم الطلب أصلاً؟».
هنا تكمن المفارقة الكبرى. فبينما كان جزء من الرأي العام يناقش أسماء «83 مستشاراً» قيل إنهم صوتوا ضد الحقيقة، كان النقاش القانوني الحقيقي يدور حول وجود الطلب من عدمه، وحول استكماله للشروط الدستورية والإجرائية اللازمة.
الأخطر من ذلك أن بعض المنابر والصفحات لم تكتف بنقل المعلومة دون تدقيق، بل أضافت إليها شحنة سياسية وأخلاقية ضخمة، وقدمتها للرأي العام باعتبارها واقعة ثابتة لا تقبل الجدل. وهنا نكون أمام أحد أخطر أشكال «الفايك نيوز»: ليس اختلاق الوقائع من العدم، بل إعادة تركيبها بطريقة تؤدي إلى استنتاجات مضللة.
إن الديمقراطية لا تقوم فقط على الحق في النقد، بل أيضاً على واجب الدقة. فمن حق المعارضة أن تنتقد الحكومة والأغلبية، ومن حق الأغلبية أن تدافع عن مواقفها، لكن ليس من حق أحد أن يستبدل النقاش السياسي بالتحريف الإجرائي أو القانوني.
الأخطر أن مثل هذه الممارسات تضر بالمؤسسات نفسها. فعندما يكتشف المواطن لاحقاً أن الرواية التي تم تسويقها له لم تكن دقيقة، فإنه لا يفقد الثقة في الصفحة التي نشرتها فقط، بل يفقد جزءاً من ثقته في العمل السياسي والإعلامي برمته.
لقد كشفت هذه الواقعة مرة أخرى أن المغرب، مثل باقي الدول التي تلتمس طريقها بثبات نحو الديمقراطية المعاصرة، أصبح يواجه تحدياً جديداً: ليس فقط إنتاج الحقيقة، بل حمايتها أيضاً. فالمعركة لم تعد بين الأغلبية والمعارضة، ولا بين الحكومة ومنتقديها، بل بين الوقائع والتأويلات، بين المعلومة الموثقة والانطباع السريع، وبين السياسة باعتبارها نقاشاً عقلانياً والسياسة باعتبارها صناعة يومية للضجيج.
في النهاية، تبقى الحقيقة البرلمانية بسيطة: المؤسسات الديمقراطية تُنتقد بالقانون، وتُراقب بالقانون، وتُحاسب بالقانون. أما الأخبار الكاذبة، مهما كانت براعتها أو سرعتها، فإنها قد تنتصر لساعات أو لأيام، لكنها لا تستطيع أن تنتصر على الوقائع إلى الأبد.