العراق جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»

العراق... جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»

العراق... جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»

 العرب اليوم -

العراق جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»

بقلم : مصطفى فحص

يأخذ النزاع الجيلي في العراق مساراً تحولياً؛ إذ لم يعد مرتبطاً بصراعات الطبقة السياسية على السلطة وغنائمها. ففي الوقت الذي تنشغل فيه هذه الطبقة بمعركة الإزاحة الجيلية، أو ما يمكن وصفه بوراثة السلطة والثروة من خلال أدواتها التقليدية: الدولة والنفوذ، وتحديد الأحجام عبر الانتخابات، يتشكّل في العراق جيل شبابي جديد يمكن تسميته جيل ما بعد «انتفاضة تشرين».

هذا الجيل الجديد، كغيره، لا يفرز قيادة واضحة، ولا يتشكّل هرمياً، ولا يمكن تنظيمه عمودياً؛ فهو بطبيعته أفقي، جماعات صغيرة تتحرك بأشكال منفصلة بانتظار الحدث الذي يشكّلها جماعياً. وهذا ما يحدّ من قدرة احتوائه، ويساعده على الاستمرار أو العودة إلى الفعل الاعتراضي المباشر في اللحظة التي تكتمل فيها ضروريات تحركه ودوافعها. وهذا ما جرى مع جيل «انتفاضة تشرين» عام 2019 كردّ فعل على فشل نظام 2003، وانكشاف أزمته الجيلية.

في 2019 أخطأ النظام السياسي في قراءة التحولات الاجتماعية، ولم يُعِر الاهتمام لجيل صاعد تشكّل وعيه خارج نظام السلطة ومنافعها. ففي الوقت الذي كان فيه النظام في ذروة قوته، ومع تقاطع إقليمي ودولي على استقراره واستمراره، اصطدم بحركة شبابية تتميز بوعي جمعي مختلف في طروحاته وديناميكياته، رافعاً مطالب واضحة بالتغيير. وكان هذا التغيير، في هدفه الأقرب أو المباشر، إسقاط الحكومة، لكنه في بُعده المستقبلي الأبعد كان أقرب إلى تغيير النظام باتجاه الدولة الوطنية وإنهاء سلطة المكونات؛ أي عملية إصلاحية طويلة الأمد في الاقتصاد والسياسة. لذلك اختارت السلطة الصدام أو التصادم معه بدلاً من الحوار.

في اللحظة العراقية الراهنة، حيث السلطة في أضعف مراحلها، وهي تحت ضغط تصادم إقليمي ودولي، وعرضة لتداعيات إقليمية كبرى، أصبحت أسيرة تجاذبات داخلية وخارجية. وهي من الضعف بحيث إن مستقبلها قد يكون معلّقاً بـ«تغريدة»؛ عواقب رفضها قاسية على النظام برمته، والقبول بها مقتل للسيادة التي تدّعيها. لكن انشغالها بمعاركها الجانبية وصراعاتها الجيلية، وتمترسها خلف براغماتية فجّة من أجل الحفاظ على سلطتها وثرواتها، يتزامنان مع تشكّل جيل سياسي جديد يمكن تسميته جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»، يستند في تبلوره وإعادة تشكّله إلى الجيل السابق أو الذي جايَله في «انتفاضة تشرين»؛ أي الموجة الشبابية الجديدة؛ كون الفاصل الزمني بينهما متقارباً جداً.

تختلف هذه الموجة في تنافسها على التعبئة والتحرك الأفقي عن الصراعات الجيلية العمودية داخل النظام، واعتمادها الفطري على الدمج بين الحراك العام والطاقة العامة. وهي تعلّمت ممن سبقها أنها إذا كانت غير قادرة على إسقاط النظام أو إجباره على التغيير، فإنها قادرة مجدداً على استنزافه وإضعافه ونقله من حالة الاستقرار الهش إلى التوتر الدائم. كما أن ظروف النظام حالياً، وما بعد التحولات قريباً، تقيّد أفعاله القمعية تجاهها، وتحدّ من قدرته على احتوائها أيضاً. وهي، في تشكّلها، أكثر مرونة، وقدرتها على التحايل أو الانتقال الجيلي تمنحها حيوية سياسية واجتماعية مفقودة لدى الطرف الآخر. لكنها، كما يقول الصحافي العراقي في جريدة «الشرق الأوسط» الزميل علي السراي، تمتلك ميزتين: «الواقعية والخوف. هذا الخوف بمعناه العبقري، وليس الانكفاء؛ عبقرية الخائف التي تحوّله إلى شجاع صبور. وهذه ليست من سمات المجتمع العراقي. لذلك، على الأرجح، نحن نمرّ بلحظة تحول اجتماعي ستتبلور سياسياً على المدى المنظور».

ما يصفه الزميل علي السراي بالخوف يمكن اعتباره نوعاً من الحرص على أمرين: سلامة الأرواح وسلامة المشروع. وذلك ضروري نتيجة لتصرف السلطة، إلا أنها تتميز بسرعة تكيّفها مع الواقع ومتحولاته، وقدرتها على الاستقطاب والمبادرة السياسية التي تُترجم على أرض الواقع حراكاً شعبياً.

هذه الإشكالية التي لم يستوعبها نظام 2003 حتى الآن؛ إذ إن مقاربته الخاطئة لهذا الجيل دفعته إلى التوتر والتصادم معه، في حين يتبلور الحس السياسي لدى جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»، الذي يمكن تصنيفه راديكالياً في بعض توجهاته السياسية. وهذا ما يصفه الباحث العراقي في المعهد الوطني الفرنسي الدكتور هشام داود بقوله: «ليست الظواهر الجيلية هي التي تُنتج السياسة، بل السياسة - في لحظات التنافس والاحتدام - هي التي تُعيد تأويل هذه الظواهر، وتحوّلها إلى أدوات صراع أو وسائل صعود أو آليات إقصاء».

وعليه، بين صراع الإزاحة الجيلية داخل النظام وجيل ما بعد «انتفاضة تشرين»، هناك فالق زلزالي نتيجة مواجهة ضخمة أو تسوية كبرى قد يتسبب في تحولات أخرى لم تكن متوقعة كما سابقاتها.

arabstoday

GMT 04:12 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

تفاءلوا

GMT 04:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

GMT 04:06 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

GMT 04:04 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

كيف نجحت الصين في إدارة أزمة النفط؟

GMT 04:02 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

عن إيران التي تتغير

GMT 03:59 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

أزمة «الدفاع» البريطانية

GMT 03:56 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

باكستان الجديدة

GMT 03:53 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

ما يخفيه الخبر العاجل

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العراق جيل ما بعد «انتفاضة تشرين» العراق جيل ما بعد «انتفاضة تشرين»



صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي - العرب اليوم

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 6,7 درجة يضرب إندونيسيا

GMT 05:04 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج العقرب 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:12 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 01:28 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.3 ريختر يضرب غرب كوبا

GMT 01:39 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

سماع دوي انفجارات قرب جزيرة قشم في مضيق هرمز

GMT 03:53 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab