أوروبا التى كانت

أوروبا التى كانت

أوروبا التى كانت

 العرب اليوم -

أوروبا التى كانت

بقلم:د. وحيد عبدالمجيد

لم يكتف معدو وثيقة استراتيجية الأمن القومى الأمريكى فى نقدهم اللاذع لأوروبا بتعداد مظاهر تراجعها وانحدارها، بل حذروا من أنه قد يصعب التعرف على حضارتها خلال عقدين من الزمن. نقد أمريكى غير مسبوق فى حدته لأوروبا التى اعتُبرت، فى هذه الوثيقة، منطقة فقدت بوصلتها وخسرت هويتها الثقافية أو كادت بسبب فتح أبوابها أمام المهاجرين، ونتيجة اتباع سياسات اقتصادية وُصفت بأنها يسارية مما أدى إلى تراجع حصتها فى الناتج المحلى الإجمالى فى العالم، وفقد مكانتها وتأثيرها على المستوى الدولي. وخص معدو الوثيقة الاتحاد الأوروبى ومؤسساته بحصة معتبرة من هذا الهجوم الكاسح بدعوى أنه يُقوض الحرية والسيادة ويتبع سياسات هجرة تُغير القارة وتخلق اضطرابات داخلية فى بلدانها. ويزعم معدو الوثيقة أن أوروبا فقدت العقلانية رغم أنهم لا يخفون دعمهم لأحزاب اليمين الراديكالى أو «المتطرف» التى لا يمكن اعتبارها عقلانية بأى حال. وأيًا كان الأمر فثمة أساس للحديث عن تراجع العقلانية التى تميزت بها الحضارة الأوروبية منذ القرن السابع عشر، وكان لمفكريها وفلاسفتها فضل تدشينها وقيادة الانتقال من القرون الوسطى المظلمة إلى العصر الحديث الذى يفترض أن تنيره هذه العقلانية. ولا يمكن الحديث عن العقلانية الأوروبية دون أن نذكر رينيه ديكارت الذى قد يجوز القول إنه أحدث قطيعة إبستمولوجية مع ميراث القرون الوسطى وما قبلها وخرج بالبشرية من الفضاء العقلى الأرسطوطاليسي. فقد اكتشف أن الكون كله يتحدث بلغة الحسابات الدقيقة والمعايير الصارمة، وأن جميع الظواهر يمكن تجزئتها إلى عناصرها الأولية لكى نفهمها عن طريق الحسابات الكمية والمعادلات الرياضية. وكان له أيضًا فضل المشاركة فى ربط الفلسفة بالعلم اللذين أسهما فى صناعة مجد أوروبا وتقدمها. فقد أنزل ديكارت الفلسفة من برجها العاجى وتأملاتها الميتافيزيقية إلى الواقع لتسهم فى إضاءة الطريق أمام البشرية. هكذا كانت أوروبا قبل أن تفقد بالفعل بوصلتها كما جاء فى وثيقة استراتيجية الأمن القومى الأمريكي، ولكن لأسباب تختلف كثيرًا عما ذهب إليه معدو هذه الوثيقة، وهو ما قد نعود إليه فى وقت لاحق.


 

لم يكتف معدو وثيقة استراتيجية الأمن القومى الأمريكى فى نقدهم اللاذع لأوروبا بتعداد مظاهر تراجعها وانحدارها، بل حذروا من أنه قد يصعب التعرف على حضارتها خلال عقدين من الزمن. نقد أمريكى غير مسبوق فى حدته لأوروبا التى اعتُبرت، فى هذه الوثيقة، منطقة فقدت بوصلتها وخسرت هويتها الثقافية أو كادت بسبب فتح أبوابها أمام المهاجرين، ونتيجة اتباع سياسات اقتصادية وُصفت بأنها يسارية مما أدى إلى تراجع حصتها فى الناتج المحلى الإجمالى فى العالم، وفقد مكانتها وتأثيرها على المستوى الدولي. وخص معدو الوثيقة الاتحاد الأوروبى ومؤسساته بحصة معتبرة من هذا الهجوم الكاسح بدعوى أنه يُقوض الحرية والسيادة ويتبع سياسات هجرة تُغير القارة وتخلق اضطرابات داخلية فى بلدانها. ويزعم معدو الوثيقة أن أوروبا فقدت العقلانية رغم أنهم لا يخفون دعمهم لأحزاب اليمين الراديكالى أو «المتطرف» التى لا يمكن اعتبارها عقلانية بأى حال. وأيًا كان الأمر فثمة أساس للحديث عن تراجع العقلانية التى تميزت بها الحضارة الأوروبية منذ القرن السابع عشر، وكان لمفكريها وفلاسفتها فضل تدشينها وقيادة الانتقال من القرون الوسطى المظلمة إلى العصر الحديث الذى يفترض أن تنيره هذه العقلانية. ولا يمكن الحديث عن العقلانية الأوروبية دون أن نذكر رينيه ديكارت الذى قد يجوز القول إنه أحدث قطيعة إبستمولوجية مع ميراث القرون الوسطى وما قبلها وخرج بالبشرية من الفضاء العقلى الأرسطوطاليسي. فقد اكتشف أن الكون كله يتحدث بلغة الحسابات الدقيقة والمعايير الصارمة، وأن جميع الظواهر يمكن تجزئتها إلى عناصرها الأولية لكى نفهمها عن طريق الحسابات الكمية والمعادلات الرياضية. وكان له أيضًا فضل المشاركة فى ربط الفلسفة بالعلم اللذين أسهما فى صناعة مجد أوروبا وتقدمها. فقد أنزل ديكارت الفلسفة من برجها العاجى وتأملاتها الميتافيزيقية إلى الواقع لتسهم فى إضاءة الطريق أمام البشرية. هكذا كانت أوروبا قبل أن تفقد بالفعل بوصلتها كما جاء فى وثيقة استراتيجية الأمن القومى الأمريكي، ولكن لأسباب تختلف كثيرًا عما ذهب إليه معدو هذه الوثيقة، وهو ما قد نعود إليه فى وقت لاحق.

 

arabstoday

GMT 07:57 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 07:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 07:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا التى كانت أوروبا التى كانت



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 06:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
 العرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 04:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
 العرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 04:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
 العرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
 العرب اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 22:46 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

مقتل 4 أشخاص في غارات إسرائيلية جنوب لبنان

GMT 03:08 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفضل ثنائيات الأبراج في الحب والرومانسية

GMT 07:01 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

6 شهداء في عدوان إسرائيلي مستمر على غزة

GMT 18:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 06:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 04:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab