بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
(وإنى لمشتاقُ إلى أرض غزة / وإن خاننى بعد التفرق كتمانى / سقى الله أرضًا لو ظفرتُ بتربها / كحلتُ به من شدة الشوق أجفاني). هكذا عبر الإمام الشافعى عن مشاعره العميقة تجاه موطنه الذى يُدَكٌُ منذ أكثر من عامٍ فى إحدى أكبر جرائم الإبادة الشاملة فى التاريخ. فقد رأت عيناه النور للمرة الأولى فى غزة، حسب الرواية الراجحة التى يُدعمها وجود مدفن ابنته آسيا فى داره التى اختارت أن تمضى بقية حياتها فيها بعد أن ذهبت معه إلى مدنٍ عدة.
ظلت غزة فى قلبه برغم أنه غادرها صغيرًا مع أمه عام 769 (152هـ). فقد أمضى حياته بين مكة والمدينة المنورة والكوفة وبغداد ثم القاهرة التى كان قد اشتاق إليها فى سنواته الأخيرة، فرحل إليها عام 815. وهو لم يقل شعرًا فى بلدٍ، بعد أبياته عن غزة، إلا فيها: (لقد أصبَحت نَفسى تَتَوقُ إلى مصر / وَمِن دونِها أرضُ المَهامِة والقفر / فوَاللهِ لا أدرى ألِلفوز والغِنى / أُساقُ إليها أم أُساقُ إلى القبر).
وقد توفى فيها فعلاً عام 820، فأقام مصريون أحبوه ضريحًا لقبره فى منطقة مصر القديمة تقديرًا له. وتميز هذا الضريح بأن بعض زائريه ظلوا طول قرون يكتبون رسائل للراقد فيه ويضعونها بالقرب منه معتقدين أن مقامه عند الله عز وجل يجعل دعاءه لهم مُستجابًا.
لا أعرف بعد مصير المعهد الذى أُقيم فى بيته بعد أن دمر الهمج الصهاينة بأسلحة الإرهاب الأمريكى معظم مبانى حى الزيتون فى مدينة غزة، وبينها المسجد العمرى الكبير القريب جدًا منه. وأيًا يكن مصيره، ستبقى بركةُ صاحبه حارسةً لغزة الصامدة ولأهلها البواسل ولمقاومتها الجسورة. وسيُعاد بناؤه، إن كان قد هُدِم، ليكمل رسالته التى أداها منذ أن طلب الرئيس الراحل عبد الناصر عام 1960 تحويله إلى مدرسةٍ دينية حملت اسم «دار الإمام الشافعى الأزهرية للعلوم الشرعية» افتتحها الشيخ محمد عواد مؤسس المعاهد الأزهرية فى فلسطين 1964, وتخرج فيه عددُ ممن صار له شأنُ ودورُ مثل الشيخ أحمد ياسين والشيخ محمود سلامة وغيرهما كثير.