بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
الاتجاهات الاجتماعية فى الليبرالية ليست هامشًا من هوامشها، بل متن قائم بذاته وإن لم يُعرف على نطاق واسع. بدأت مقدمات هذه الاتجاهات الاجتماعية فى أوساط قطاعات محدودة من الليبراليين، ثم انفصلت تدريجيًا عن منشئها واكتسبت استقلالًا فكريًا وسياسيًا وإن لم يُقدر لها الذيوع والانتشار. وربما نجد فى بعض أفكار المفكر الإنجليزى جون ستيوارت ميل البداية الأولى للتطور الذى قاد ليبراليين تأثروا بها إلى التحرر من سيطرة فكرة السوق الحرة بمعناها الليبرالى التقليدى «دعه يعمل .. دعه يمر». وبدأ هذا التطور بجدل حول مدى فاعلية هذه السوق الطليقة من كل قيد. وأسهم مفكرون ليبراليون آخرون فى تبلور الاتجاه الذى شرع فى تبنى فكرة التدخل لتنظيم السوق خاصةً توماس جرين (1836-1882) ثم جون كينز (1883-1946) وجون ديوى (1859-1952). فقد تراكمت إسهامات هؤلاء وغيرهم وخلقت حالة مراجعة شملت بعض أهم الأفكار الليبرالية الأساسية باتجاه ليبرالية اجتماعية أكثر إنسانية توازن بين الفردية والجماعية. وأسفرت تلك المراجعة عن ظهور أفكار تدعو إلى تبنى سياسات اقتصادية تدخلية وإجراءات لإعادة توزيع الثروة من أجل وضع حد للفقر والظلم وغيرهما من المشكلات التى نتجت عن ترك السوق تعمل وفقًا لآلياتها. ولم تقتصر التحولات التى ترتبت على تلك المراجعة، وما احدثته من سجالات، على مفكرين ومثقفين ليبراليين تبنوا توجهات اجتماعية، بل امتدت إلى أوساط بعض السياسيين أيضًا. وكانت البداية الأولى لظهور الأفكار الليبرالية الاجتماعية سياسيًا فى حزب الأحرار البريطانى الذى كان يبحث عن سبيل لمنافسة الحزبين اللذين تصدرا المشهد السياسى وهما حزب العمال «الاشتراكى الديمقراطي» وحزب «المحافظين» فلم يكن لليبرالية التقليدية التى تبناها حزب الأحرار مكان يُعتد به فى ظل انقسام المجتمع البريطانى بين الاشتراكيين الديمقراطيين والمحافظين. ولكن الأفكار الليبرالية الاجتماعية التى اتجه إليها الحزب لم تساعده كثيرًا، إذ ظل حزبًا ثالثًا لا قِبل له بمناقشة الحزبين الرئيسيين إلا على سبيل الاستثناء، مثلما بقيت الليبرالية الاجتماعية محصورة فى مساحة جد ضيقة بين المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين.