بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
الجدل حول التغيير الجذرى والإصلاح التدريجى لا ينتهى. أيهما الأفضل لتحقيق أهداف من يريدون تغييرًا أو إصلاحًا؟. اختلفت الاجتهادات وستختلف ما بقى هذا الجدل. ورغم أن جزءًا من تفضيل أى الطريقين على الآخر يرتبط بالظروف الموضوعية، ولا يعد بالتالى اختيارًا حرًا تمامًا، فثمة ضرورة للاستفادة من دروس التاريخ.
ومن أهم هذه الدروس الدرس الصينى، حين نقارن بين المرحلة التى قادها الزعيم ماوتسى تونج فى الخمسينيات، والمرحلة التى بدأت مع دينج شياو بينج فى السبعينيات. فقد حاول ماو أن يقفز بالصين قفزة كبرى نحو التصنيع فى زمن قياسى، فكان أن شهدت الصين أكبر مجاعة فى تاريخها. فقد تردى الإنتاج الزراعى بسبب إعطاء أولوية مطلقة لتصنيع لم تكن متطلباته قد توافرت بعد. فقد تعجل فى تحويل الصين من مجتمع زراعى إلى صناعى، فضغط على الفلاحين إلى درجة لا يمكن تحملها, فازداد تراجع الإنتاج الزراعى الذى كان الصينيون يعتمدون عليه فى توفير بعض أهم حاجاتهم الأساسية. ووصل الأمر إلى حد مطالبة الصينيين بصهر الفولاذ فى منازلهم فتردت جودته وأصبح غير صالح للاستخدام، الأمر الذى أهدر موارد وجهودًا بلا حصر.
كانت سياسة ماو المسماة «القفزة الكبرى إلى الأمام» قفزًا على واقع لم يكن مهيأ لها، وحرقًا لمراحل لابد من اجتيازها لتحقيق هدف التحول إلى دولة صناعية. لم تكن المشكلة فى هذا الهدف، بل فى الوسائل التى اتُبعت من أجل تحقيقه، فلم يتحقق بل عادت الصين إلى الخلف بدلا من أن تقفز إلى الأمام.
وقد اختلف الأمر كثيرًا فى سياسة الانفتاح والإصلاح التى قادها دينج شياو بينج التى قامت على التدرج والنفس الطويل فنجحت فى تحقيق هدفها وجعلت الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم.
الدرس الصينى يخبرنا إذن بالمقصود من المثل الشائع «فى العجلة الندامة». فالأهداف الكبرى لا تتحقق عبر قفزات سريعة غير مدروسة وسياسات متعجلة يفتقر صانعوها إلى الصبر والتريث اللازمين لتحقيقها تدريجيًا عبر توفير متطلبات نجاحها مرحلة تلو الأخرى. وبالتأكيد توجد استثناءات، ولكنها من النوع الذى يؤكد القاعدة.