بقلم : عمرو الشوبكي
لم ينته تنظيم داعش من العالم إنما أضعف وتفككت قدراته التنظيمية وتحول إلى مجموعة خلايا متناثرة عبر العالم، ولكنها قادرة أن تستثمر فى نقاط الضعف الموجود فى أى مجتمع أو نظام سياسى، وهو ما فعلته مؤخرًا فى سوريا حين شنت هذه الخلايا فى شهر واحد مع وكلائها ثلاث عمليات متتالية سقط فيها عشرات الضحايا.
إن ضعف الدولة ووجود احتقان سياسى أو مذهبى هى عوامل تكفى لكى تعمل خلايا داعش الجديدة بسهولة وتمارس إرهابًا خطيرًا لأن من يقف خلفه هو بقايا تنظيم ومساحة سائلة من الأفكار الانتقامية التى تبرر أى عنف وأى إرهاب.
والحقيقة أن هذه البنية العقائدية المبسطة والسطحية للتنظيم جعلت الانخراط فى العنف «متاح للجميع» ولا يتم عبر رحلة طويلة من الإعداد العقائدى كما جرى مع قادة القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى، إنما يكفى أن يكون هناك منتقمون لأسباب دينية أو مذهبية أو سياسية حتى يكون العنصر الداعشى على استعداد لممارسة القتل والإرهاب ضد أمريكيين كما جرى فى مدينة تدمر واستلزم تدخلا عسكريا أمريكيًا، أو تجاه سوريين كما جرى فى مسجد على ابن أبى طالب فى حمص، وأخيرًا محاولة عنصر داعش استهداف كنيسة فى حلب فتصدى له رجال الأمن العام مما أدى إلى تفجير العبوة الناسفة ومقتل أحد رجال الأمن والإرهابى، وبدا أنه لا يوجد فارق يذكر بين من يسمون أنفسهم «تنظيم الدولة الإسلامية» أو «أنصار السنة» فى سوريا من حيث عدم وجود أى كوابح أمام قتل المدنيين أو العسكريين فى كل مكان.
خطورة داعش الجديد ليست فقط فى قدرته أن يتحرك فى المناطق الرخوة والحدودية من الساحل والصحراء فى أفريقيا إلى سوريا حاليا إنما أيضا فى امتلاكه هذه السيولة العقائدية التى تبيح له انتهاك كل الحرمات وسفك الدماء دون أى رادع.
إن التنظيمات الجهادية القديمة التى مارست بالقطع إرهابا واستهدفت رجالات السلطة والأمن، ومخالفين فى الفكر والعقيدة، كان من شبه المستحيل عليها أن تستهدف مصلين فى مسجد، وحتى بمعايير الفكر المتشدد الذى تبنته كانت هناك بعض الضوابط أو سقف للعنف والإرهاب، وهو غير متحقق فى داعش الذى تحول من تنظيم إلى خلايا على استعداد أن تستهدف مسجدا أو كنيسة أو حسينية ويقتل أطفالا ونساء دون أى رادع عقائدى أو تنظيمى.
الاستثمار فى العجز والإخفاق السياسى والثغرات الأمنية والهشاشة المجتمعية وأى احتقان بين مكونات الشعب المختلفة، كل هذا هو «غذاء داعش» وليس تفسيرًا متشددًا لابن تيمية ولا غيره، حتى لو حضر، ولذا علينا ألا نندهش أن كل تنظيمات التطرف العنيف تقريبًا مارست مراجعات فقهية ومبادرات لوقف العنف، إلا داعش، لأن ببساطه ليس عنده بناء عقائدى صلب لكى يراجعه وذلك مصدر خطورته.