بقلم:عمرو الشوبكي
كرر الرئيس الأمريكى عشرات المرات جملة أنه قضى على قدرات إيران وألحق بها هزيمة ساحقة، صحيح أن طهران فقدت جانبا كبيرا من قدراتها العسكرية، وخاصة قوتها البحرية والجوية وعجزت دفاعاتها الجوية عن إيقاف سيل الغارات الأمريكية والإسرائيلية على منشآتها المدنية والعسكرية.
ورغم إضعاف إيران، فإن الوصول إلى هذا «النصر الساحق» الذى يردده الرئيس ترامب يتطلب مجموعة من الشروط صعبة التنفيذ وغير مضمونة النجاح، وتتمثل فى غزو برى أمريكى يحتل البلاد أو جانبا منها، ويدمر ويسقط النظام، وكلاهما خياران سبق أن جربتهما أمريكا فى أفغانستان والعراق، وفشلا فشلا مدويا، ناهيك عن صعوبة تحقيقهما فى إيران.
ورغم هذا التراجع فى أوراق القوة التى تمتلكها إيران الداخلية والخارجية، خاصة بعد إضعاف محورها فى المنطقة، ومع ذلك خاض وزير خارجيتها مفاوضات شرسة ومعقدة فى باكستان مع نائب الرئيس الأمريكى، شملت البرنامج النووى والصاروخى ودور إيران فى المنطقة، معتمدا فيما يبدو على تداعيات عودة الحرب مرة أخرى على دول المنطقة والعالم.
تحسب أمريكا بدقة تداعيات العودة إلى الحرب، ليس خوفا مما تبقى من قوة إيران، أو لأنه انهال على طهران من كل حد وصوب سلاح ومال، إنما خوفا من أن تكون العودة إلى الحرب مرادفا للفوضى والإرهاب وتحول مؤسسات الحرس الثورى إلى عشرات التنظيمات التى تنتقم بشكل عشوائى وفى كل مكان.
إن إضعاف النظام الإيرانى يفترض أن يغرى أمريكا بالإجهاز عليه واستهداف مرشده الجديد، ولكنه سيعنى فى نفس الوقت عودة شبح ما جرى فى العراق ٢٠٠٣ مرة أخرى من فوضى وعنف وإرهاب سيطول الجميع، فإيران المفككة أو شبه المنهارة كارثة على العالم والإنسانية، وإيران الملتزمة بالقواعد الدولية لا تتدخل فى شؤون الدول الأخرى فى صالح العالم ودول المنطقة وأيضا الشعب الإيرانى.
تعلم أمريكا أنه من الصعب إسقاط النظام الإيرانى على الطريقة العراقية، إلا أن إضعافه أكثر سيعنى أنه لن يستطيع ضبط الأمن والاستقرار فى بلد كبير مثل إيران، وهذا ما جعل أمريكا لا تواجه فى إسلام أباد فقط ذكاء المفاوضين الإيرانيين وقدرتهم على المناورة، إنما باتت ترى أن ثمن هذا «النصر الساحق» أخطر وأكثر سوءا بكثير من الوصول إلى اتفاق تقبله أمريكا ودول الخليج وأوروبا، حتى لو رفضته إسرائيل.
النصر الساحق الذى يتحدث عنه ترامب هو فى مخيلته كرجل أعمال وصفقات يحسبها بالأرقام ويقول خسرت إيران هذا العدد من السفن الحربية والطائرات ومنصات الصواريخ وفقدت هذا الكم من الجنود فى مقابل خسائر «نادرة» فى الجانب الأمريكى، إذن هو انتصر بشكل ساحق، والحقيقة أن النصر الساحق يتطلب شروطا غير متوفرة حاليا، منها أن يتحمل العالم إغلاق مضيق هرمز لأشهر، وتحتل أمريكا جزيرة خرج ومناطق إيرانية أخرى، وهى كلها شروط شبه مستحيل أن تحدث.