بقلم: عمرو الشوبكي
صدم الكثيرين قرار الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وتقييد التعاملات المالية والتجارية ومنع الشركات والأفراد الأمريكيين من إجراء معاملات معها، مع تجميد الأصول الواقعة ضمن الولاية القضائية الأمريكية، بما يعنى فى النهاية تقليص قدرتها على العمل وتأثر خدمات التكنولوجيا والبرمجيات والتأمين الذى تحتاجه المحكمة بهذا القرار.
والحقيقة هى المرة الأولى التى تتعرض فيها المحكمة الدولية لعقاب من دولة عظمى بكل ما يمثله ذلك من انتهاك لقيمة القانون الذى باتت الإدارة الأمريكية تؤسس بشكل عملى لشرعية القوة والبطش على حساب القانون الذى كان يعانى من عدم تطبيقه.
حجة الإدارة الأمريكية فى قرارها تكمن فى أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها باستهداف مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، وأنها لا تملك الاختصاص القضائى الذى يتيح لها محاكمتهم، لأن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفين فى نظام روما الأساسى المنشئ للمحكمة، فى حين أن الأخيرة تعتبر وفق القانون والمنطق السليم أن اختصاصها يمكن أن يشمل جرائم ارتُكبت على أراضٍ تدخل ضمن ولايتها، حتى لو كان المتهم من دولة ليست عضوًا فيها، وهو ما فعلته مع إسرائيل فى مواجهة جرائم الإبادة الجماعية التى ارتكبتها حكومة نتنياهو فى غزة.
الموقف الأمريكى الإسرائيلى استدعى فى غير محله «خطاب السيادة الوطنية» ومواجهة تدخل المحكمة فى سيادتهم الداخلية ونسى أو تناسى أن هذه جرائم لم يرتكبها إسرائيليون داخل إسرائيل، وهى ليست معركة داخلية تختص المحاكم الإسرائيلية بالنظر فيها، إنما هى جرائم ضد الإنسانية ارتكبت خارج الحدود وعلى أراضٍ محتلة بحكم القانون الدولى وقرارات الأمم المتحدة.
والحقيقة أن المسألة باتت تتجاوز الخلاف حول مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق غالانت، وتطرح سؤالًا بشأن عجز مؤسسة قضائية دولية عن ملاحقة مسؤولين من دول قوية أو حليفة لواشنطن، وما إذا كان بإمكان دولة كبرى استخدام قوتها المالية للضغط على مؤسسة قضائية مستقلة؟
وإذا كانت قرارات المحكمة بحق نتنياهو لم تنفذ لأنها لا تمتلك آلية لتنفيذها، كما أن كثيرا من قرارات الأمم المتحدة لا تُنفذ، خاصة إذا كانت تستهدف الدول الكبرى المدعومة من أمريكا وعلى رأسها إسرائيل، ومع ذلك فإن وجود صوت قانونى وقضائى مستقل بات دوره معنويا ورمزيا لم تتحمله إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، وهو بكل المعايير كارثة لكل المؤمنين بالقانون والشرعية الدولية.
سيبقى السؤال: هل ستستطيع أوروبا حماية القانون الدولى والمحكمة الدولية وستغطى نقص التمويل والخدمات الضرورية للمحكمة، خاصة فى ظل انقسام أوروبا وتصاعد قوى اليمين المتطرف داخلها والتى تمثل طبعة مخففة من تفكير ترامب؟ صحيح، هى لا تعلن عدم إيمانها بالقانون الدولى ومؤسسات الشرعية الدولية، إنما سيبقى التحدى إلى أى درجة تستطيع أوروبا بظروفها الحالية أن تدافع عن مؤسسات الشرعية الدولية.