بقلم : عمرو الشوبكي
شاهد الكثيرون عددا من القساوسة ورجال الدين المسيحى وهم يلتفون حول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ويصلون من أجله فى المكتب البيضاوى بالبيت الأبيض، ووضع القساوسة أيديهم على الرئيس، سائلين الله أن يمنحه الهداية والحكمة، كما دعوا لحماية القوات المسلحة الأمريكية. وخلال الصلاة، قال القس توم مولينز: «ندعو الله أن يغمر قلبه وعقله وروحه بالحكمة من السماء، وأن يرشده فى هذه الأوقات العصيبة التى نواجهها، وأن يمنّ عليه برحمته وحمايته».
هذا الكلام يمثل إقحاما فجا للدين فى السياسة، وهو الأمر الذى ترفضه الاتجاهات المدنية فى بلادنا والعالم، ومع ذلك حدث فى أمريكا، التى يُفترض أنها قلعة الحريات، ونظامها السياسى مدنى ديمقراطى، ووجدنا كيف أضفى رجال الدين على الحرب الأمريكية ضد إيران أبعادا دينية لا تبررها بأى حال.
والحقيقة أن النقاش، الذى دار فى بلادنا حول هذه الواقعة وغيرها من الوقائع التى رأيناها فى أمريكا وبعض الدول الأوروبية، لا يجعلنا نقول إننا أمام حكم دينى، فالحكم هناك مدنى للشعب، ولا أحد يقول إنه يحكم باسم الله أو باسم الشريعة، إنما يعطى لنفسه شرعية دينية ليعزز بها موقفه وتوجهاته السياسية اليمينية.
إن الفارق الكبير بين مَن يدافعون عن الحكم الدينى «الإسلامى» فى بلادنا وبين مَن يتمسحون بالمسيحية فى أمريكا أن فى الأولى رفضوا مبادئ الديمقراطية والحداثة أو اعتبروها تكأة للتمكين الأبدى من السلطة، فى حين أن فى الأخيرة أسسوا نظما حديثة قائمة على ديمقراطية ودولة قانون وترسخت عبر قرون، بحيث أصبحنا أمام «أصولى حداثى»- إن جاز التعبير- يعيش مثل باقى المجتمع، ويختلف فى التوجه السياسى.
صحيح أن فى العالم العربى هناك توافق على دولة القانون، ولكنها غير مطبقة فى معظم البلدان، أما الديمقراطية فهى لا تزال متعثرة، وهناك مَن لا يعتبرها من الأصل ذات أولوية، وبالتالى لم تستطع قيمة الديمقراطية ومبادئ دولة القانون أن تترسخ عربيا وتكون من القوة لتصبح قادرة على ترويض ولو جانب من قوى الأصولية كما حدث فى الغرب.
من هنا فإن ما جرى فى البيت الأبيض لا يعدو إلا مجرد مظهر فلكلورى لا يؤثر على جوهر النظام السياسى ومبادئ الديمقراطية ودولة القانون التى لا تزال راسخة، بل تواجه «شطط» الرئيس الأمريكى ومحاولات انحرافه بالسلطة.
بالطبع، خطاب هؤلاء يعكس تطرفا دينيا، خاصة بعد محاولات وزارة الحرب الأمريكية تحويل الحرب ضد إيران إلى حرب دينية اشتكى منها جنود أمريكيون، إلا أن هذا التعصب لم يؤسس بعد لنموذج سياسى يقول إنه بديل للدولة المدنية الديمقراطية، إنما هو يحاول أن يجرها على أرضية تضفى شرعية على توجهاته السياسية، وتبرر خطاياه، على خلاف ما يجرى فى بلادنا حين كانت محاولات تطبيق الحكم الدينى فى مواجهة القيم المدنية الحديثة.