بقلم : مصطفي الفقي
شاعت وذاعت فى السنوات الأخيرة دعوات مخلصة وصادقة إلى تجديد الخطاب الدينى وانصرفت بالدرجة الأولى إلى الخطاب الدينى الإسلامى بل لقد تبنى الرئيس عبد الفتاح السيسى الدعوة إلى التجديد مطالبًا الدعاة والباحثين والمعنيين بعلوم الدين أن يوائموا بين النصوص المقدسة والأحاديث الصحيحة فى جانب وبين الممارسات الإنسانية العادية للبشر فى جانب آخر بحيث يشعر أصحاب الدعوة بالأهمية الكبرى لما يفعلون، وقد تلقف تلك الدعوة آلاف ممن يتصورون أنهم يتحدثون باسم الإسلام الحنيف ووقف الأزهر موقفًا مهمًا معتدلًا بين ثوابت الدين وحقائق الحياة بل وجرى على الهواء حديث ودى مقتضب أكثر من مرة بين رئيس الدولة والإمام الأكبر أحمد الطيب.
واستقر فى ضمير الجميع أن تلك رسالة دين ودنيا وأنه لا يجب التفريط فيها أو التقليل من شأنها حتى وقر فى عقول الأزهريين المستنيرين أن تلك دعوة عصرية لتصحيح المفاهيم وشرح ما جاء من كتابات السلف الصالح حول أمور الدولة والدين، وتصدى نفر ممن يخشون الله ويحرصون على سلامة الدين الإسلامى وارتفاع راياته لهذه القضية الهامة بل إن كثيرًا من الدعاة التقليديين استجابوا بموضوعية كاملة وحرص شديد على صحيح الإسلام لتلك الدعوة التى أطلقها الرئيس المصرى وهى فى ظاهرها دعوة عصرية وفى باطنها دعوة لدعم جوهر الإسلام تدفع مسار دعاته إلى الأساليب الحديثة بما لا يمس الثوابت ولكنه يؤدى إلى فك الاشتباك الظاهرى بين الدين والحياة المعاصرة بما يصدر عن مفهوم ضيق لبعض الدعاة السلفيين الذين لا يدركون أن الإسلام دين ودنيا وأنه دعوة عادلة تدعم الحق وترفض الظلم وتبتعد عن التطرف ولا تقصى من رحمة الله من وسعتهم بنص القرآن الكريم.
وشأن كل الدعوات الحديثة والأفكار العصرية فإن هناك من تبنوا دعوة الرئيس بحماس مخلص ورغبة صادقة وهناك من كانت قلوبهم معه ولكن سيوفهم مع «بنى أمية» كما يقولون، فظهر الازدواج واضحًا فى مواقف بعض المؤسسات الدينية فى العالم المعاصر نتيجة أن هناك استقطابًا جرى فى اتجاهات متعارضة أدت إلى قدر من الاختلاف الفكرى والنزاع بين رواد الأصولية وأرباب الحداثة وتناسى الجميع أن الإسلام دين عدلٍ ورحمة فى المقام الأول ولا يجب توظيفه أبدًا لأغراض سياسية أو أهداف مرحلية، من هنا كانت دعوة مصر من ٢٠١٣ حتى اليوم لتصحيح عدد من المفاهيم وتنقية العقول بحيث يصبح الشعار بحق هو «الدعوة الصادقة إلى تجديد الفكر الدينى»، وهانحن اليوم فى أفضل شهور عند الله وأقربها إلى تصحيح المسار وتلبية نداء الله فى شهر القرآن والصحة الإسلامية الحقيقية التى تتجدد كل عام فتتجدد معها المشاعر الروحية والأفكار البناءة.
ولقد أسعدنى دخول عدد من الدماء الجديدة من رجال الدين الشباب فى البرلمان المنتخب ومن أمثلتهم من أعرفه جيدًا الدكتور عمرو الوردانى وهو نبتٌ طيب للأزهر الشريف مع وعى صادق بما تدور به المقادير، كما أن وزير الأوقاف الحالى الدكتور أسامة الأزهرى هو تلميذ صالح لكبار العلماء فى تاريخ الدعوة الإسلامية.. فليكن شهر رمضان هو شهر الإصلاح الحقيقى للمفاهيم والتجديد الواعى لخطاب الدعوة الإسلامية المعاصرة.