بقلم: مصطفي الفقي
أتذكر الآن زيارتى للسودان على رأس وفد كبير للتحضير لاجتماعات اللجنة المصرية السودانية المشتركة وكيف كان يستقبل السيد عمرو موسى وزير الخارجية كل من مولانا محمد الميرغنى زعيم الطائفة الختمية وكذلك شقيقه الأصغر أحمد الميرغنى رئيس الدولة فى ذلك الوقت، وقد شكا السيد الميرغنى الكبير للسيد عمرو موسى أن مصطفى الفقى كان ميالًا أثناء زيارته للسودان للمهدى وأنصاره، ولم يكن ذلك صحيحًا على الإطلاق فقد قلت فى خطبة عامة: إن السودان شماله وجنوبه شرقه وغربه محسوب على مصر كلها مثلما هى محسوبة عليه.
وذكّرت السودانيين بالتفافنا جميعًا حول وحدة وادى النيل ورفضنا لسياسة فرق تسُد التى زرعتها سلطات الاحتلال بمحاولة النيل من العلاقات المصرية السودانية وإحداث شقاق دائم فيها، ومن خلال صداقتى الوطيدة بالسيد الصادق المهدى حرصت على أن نفتح معًا نوافذ للعلاقات القوية بين البلدين الشقيقين حتى أن المهدى الكبير كان يريد أن يقايض الإنجليز بمسؤول بريطانى كبير جرى اغتياله وهو جوردون مقابل العفو عن عرابى باشا وعودته من المنفى إلى بلاده وقد جرت المياه بعد ذلك فى منحدر واضح لأن عمر البشير لم يكن هواه مصريًا بل تآمرت حكومته مع عناصر إرهابية لاغتيال الرئيس مبارك فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ولم تكن العلاقات بين مصر وليبيا قائمة فى السنوات الأولى من حكم الرئيس مبارك فالقطيعة بين الدولتين كانت متجذرة منذ حكم الرئيس الراحل أنور السادات وسياسات القذافى المتقلبة ومواقفه المتراجعة بعد انتهاء حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ مباشرة وقد ورث مبارك تلك التركة، وجاءه ذات يوم أدميرال برسالة سرية أمريكية يطلب من الرئيس المصرى المشاركة مع القوات الأمريكية فى ضربة إجهازية على نظام القذافى وإنهاء حكمه ولكن مبارك رفض ذلك وقال: إننى لا أتآمر على بلد عربى مهما كانت الظروف.
وقد قام الأمريكيون وحدهم بعد ذلك بتوجيه ضربة لمقر القذافى فقد فيها ابنة بالتبنى وبدا العداء سافرًا والهوة واسعة خصوصًا بعد حادث لوكيربى بإسقاط طائرة مدنية أمريكية وموت كل ركابها، وقد اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية نظام القذافى بالتورط فى تلك الجريمة وفرضت واشنطن عقوبات صارمة على ليبيا القذافى حتى دفعت بلاده مبالغ طائلة كتعويضات عن الخسائر للحكومة الأمريكية وجرى اعتقال مدبرى الحادث وأمضى أحدهم سنوات طوال فى السجون الأمريكية، وقد بدأ القذافى يراسل القاهرة بشكل غير مباشر حتى جرت زيارته على الحدود بين البلدين فى فيلا جرى إنشاؤها خصيصًا لذلك اللقاء ويومها قال القذافى لمبارك: لا استطيع الحضور للقاهرة لأن فيها سفارة لإسرائيل، فقال له الرئيس مبارك، يمكننا أن نلتقى فى أى مدينة أخرى كالإسكندرية أو مرسى مطروح أو أى مدينة تختارها، وفى الزيارة الثانية قال القذافى لمبارك: سنلتقى المرة القادمة فى القاهرة، فقال له مبارك: ماذا حدث فكنت ترفضها لأن فيها سفارة إسرائيل، فقال القذافى: لقد قررت أن أقابلك فى القاهرة لأن فيها قبر عبد الناصر! ولقد تحسنت العلاقات نسبيًا بين الدولتين وإن كانت قد واجهت بعض العقبات مثل الحوار الحاد الذى جرى بين الرئيسين فى القمة العربية بعد غزو العراق للكويت فى أغسطس عام ١٩٩٠ حيث قال القذافى لمبارك: إذا كانت نتائج هذه القمة هى ما طلبه الأمريكيون منك فقل لنا، فرد عليه مبارك بانفعال شديد: يا معمر حاسب على كلامك وأنا أرفض ما تقول جملة وتفصيلًا، ولكن هدأت بعدها الأمور وحرص القذافى على زيارات متبادلة بينه وبين مبارك فى كل من مصر وليبيا وانشغل القذافى بمشروعات نظرية مثل النهر العظيم والكتاب الأخضر وغيرهما من مفردات حكم العقيد الراحل.