بقلم: مصطفي الفقي
أتذكر الآن الدعوة التى تلقاها البابا شنودة الثالث لكى يكون ضيف الشرف الأول فى الاحتفال بمرور ألف عام على دخول الرهبنة إلى دولة المجر، وذلك على اعتبار أن الرهبنة بدأت فى المسيحية بمبادرات تاريخية من الكنيسة المصرية، وقد استقبلت ليلتها البابا شنودة فى مطار فيينا حيث وصل على الطائرة من القاهرة ليأخذ الطريق البرى بالسيارات إلى الحدود المجرية، وقد فعلت ذلك أيضًا وفوجئت بأن الذى يستقبلنا قرب منتصف الليل على الحدود هو رئيس جمهورية المجر شخصيًا تكريمًا لبابا العرب واحترامًا للكنيسة القبطية، أقول ذلك لكى يدرك القارئ اهتمامى برعاية أبناء الجالية بالخارج فقد تلقيت أيضًا ذات صباح استدعاءً من وزيرة الخارجية النمساوية بنيتا فراو، التى بادرتنى قائلة: «إننا ننظر فى أوروبا إلى صحيح الإسلام من خلال مصادره الموثقة، ونجد أكبر نموذج لذلك الأزهر الشريف فى مصر، وعليه فإننا قد قررنا إنشاء أكاديمية إسلامية يشرف عليها الأزهر الشريف ويجرى تمويلها بالكامل من الدولة النمساوية، ويكون مقرها فى العاصمة فيينا لتدريب الدعاة من العرب والأتراك والأفغان والإيرانيين على الدراسات الإسلامية من منظور أزهرى وبرعاية كاملة من الأزهر الشريف». وفى ذلك اليوم اتصلت بالإمام الأكبر، وكان هو الراحل د. محمد سيد طنطاوى الذى أوفد إلى فيينا وزير الأوقاف د. محمود زقزوق، ورئيس جامعة الأزهر د. أحمد عمر هاشم، رحمهم الله، وبالفعل قامت الأكاديمية ومارست نشاطًا كبيرًا وإن كنت لا أعلم مصيرها الآن بعد أكثر من ربع قرن من مغادرتى موقعى فى فيينا، وهكذا كان الشاغل الإنسانى والثقافى مسيطرًا على فلسفة العمل الدبلوماسى فى تلك الفترة، وبهذه المناسبة فإننى أريد التأكيد على أن العمل الدبلوماسى المعاصر يعتمد على فلسفة تهتم بالجوانب الاقتصادية والثقافية والأنشطة السياحية فلم تعد الدبلوماسية هى تلك الياقات البيضاء والملابس الرسمية، ولكنها أضحت تدور حول الانفتاح الثقافى والتبادل التجارى والنشاط الاقتصادى بما يخدم الأوضاع الداخلية، فالسياسة الخارجية هى امتداد طبيعى للسياسة الداخلية فى كل دولة، ولأن النمسا عاصمة الموسيقى ومدينة الفنون فلقد حرصت على أن أجعل عناصر التشابه بيننا هى الحاكمة فى العلاقات بين البلدين، ولم أستسلم للمدرسة الكلاسيكية فى الدبلوماسية بل سعيت إلى تحريك الموقف بين الدولتين بما يخدم الصالح المشترك حتى أننى عندما كنت أطلب مكانًا فى أحد المتاحف أو قاعة كبرى لمناسبة مصرية تتعلق بالآثار كنت أتلقى إصرارًا من رئاسة الجمهورية النمساوية بأن يكون الاحتفال المصرى فى أحد مقرات الرئاسة بها تقديرًا لمكانة مصر واحترامًا لتراثها التاريخى الفريد، وحين أقام الفنان المصرى فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، معرضًا كبيرًا لرسوماته المتميزة رأيت بعينى رأسى آلاف النمساويين والنمساويات فى الساعات المبكرة من الصباح يأخذون أماكنهم فى الطابور نحو شباك التذاكر لمشاهدة المعرض رغم رداءة الجو وانخفاض درجة الحرارة والثلوج التى تغطى الشوارع، لذلك آمنت دائمًا بأن الوصال الثقافى والحضارى هو المعيار الذى يحكم طبيعة العلاقات الوثيقة بين الأمم والشعوب، وأتمنى أن يدرك المصريون، خصوصًا الأجيال الجديدة، أن مكانة مصر خارجيًا أكبر بكثير من أزماتها الاقتصادية ومشكلاتها الداخلية، ويكفى أن يدرك الجميع أنه لا توجد إلا دولة واحدة فى العالم يسمى باسمها علم مستقل وهو علم المصريات فى مختلف اللغات.