بقلم: عمار علي حسن
(١)
إذا كان التيار يجرفنا بعيدًا عما نأمل فيه ونتمناه ونستحقه، فإن السباحة ضده تصبح ضرورية، تزداد مع وجود من يعتقد وهما أو زيفا فى أن الكل يجب أن يخضع لجريان هذا التيار، ويعتقد طيلة الوقت فى أنه يسيل ويتقدم فى الطريق الصائب السليم، وليس له أن يتوقف ولو لبرهة واحدة ليسأل نفسه: هل هو ماء طيب جار مستساغ يسقى الزرع والضرع أم أنه أشبه بطوفان يجرف كل شيء بلا روية ولا تمهل ولا تدبر؟
يقال دوما عمن يعارض إنه يسبح ضد التيار، وقائلو ذلك يفترضون، وهمًا من عند أنفسهم، أن الكل معهم بالضرورة، أو أن من هو معهم ليس من حقه أن ينصرف عنهم أو يتمهل قليلا ويتوقف عن الجريان فى ركابهم. كما أنهم يعتقدون، كذبا، أن ركبهم يسير طيلة الوقت، وفى كل المواقف والقضايا والقرارات، على الدرب النافع.
فى المجتمعات الحية السليمة الصحية لا يوجد تيار واحد، إنما تيارات متوازية تتقدم إلى الأمام، متفقة فى الغاية، ومختلفة فى الوسائل. وفى هذه المجتمعات يمثل المختلفون نهيرات صغيرة تصب فى النهر الكبير، لكنها تحافظ على استقلالها فى السير والجريان، بما يضبط إيقاع التيار ومدى سيره ومساره، ويجعل ماءه يسقى النسل والحرث، ولا يتحول إلى فيضان مدمر، أو طوفان مهلك، أو ينحرف نحو المستنقعات.
(٢)
«كن ممتازًا فى كلية عادية، ولا تكن عاديًا فى كلية ممتازة».. هكذا كان يقول لنا مدرس اللغة العربية فى طابور الصباح بمدرسة المنيا الثانوية العسكرية. ورغم أن النصيحة تنطوى على أمر إيجابى وهو حث الطالب على اختيار الكلية التى سيتفوق فيها، بغض النظر عن مجموعه ومكانه على سلم درجات مكتب التنسيق، فإنها تحمل مغالطة عميقة فى أثرها السلبى حين تقسم الكليات إلى «ممتازة» و«عادية».
وقد ابتدع مجتمعنا بدعة لا مثيل لها فى العالم حين جعل ابتداء لدراسة العلوم التطبيقية أو البحتة أفضلية على دراسة العلوم الإنسانية، ثم حاول أن يربط التعليم بسوق العمل، وكأننا نتعلم لنعمل فقط، مع أننا يجب أن نتعلم لنتحضر، ونتعلم لنعرف، ونتعلم لنتعايش، ثم جعل من العائد المادى للخريج، أو الوضع الاجتماعى حتى لو كان مصطنعًا زائفًا قائمًا على الاستغلال، معيارًا لتقسيم الكليات إلى قمة وقاع، بغض النظر عن القيمة الأصيلة التى يضيفها هذا الخريج إلى الدولة والمجتمع.
وهذا التقسيم جعل من كليتى الطب والاقتصاد والعلوم السياسية، التى تخرج كاتب المقال فيها، وكذلك كليتا الهندسة والإعلام من كليات القمة، وجعل من سائر الكليات موزعة بين وضع متوسط وآخر متدنٍ، مع أن بعضها نحن فى حاجة أشد لديه لو كانت لدينا برامج حقيقية للتقدم العلمى والتنمية الشاملة، وأشير هنا بالتحديد إلى كليتَى الزراعة والعلوم.
ومع بلد عاش طيلة حياته يشار إليه على أنه «بلد زراعى» مثل مصر، التى يجب فى الوقت نفسه أن تتقدم فى مسار الصناعة ويكون لديها ما تسهم به فى التجارة العالمية وفى مجال الخدمات، فلا بد من الاهتمام بالزراعة وما يرتبط بها من صناعات، وبخاصة أننا نستورد ما يربو على ستين فى المائة من احتياجاتنا الغذائية.
من هنا فأنا ممن يعتبرون كلية الزراعة هى «كلية القمة الحقيقية» فى مصر إذا سلمت بمنطق تقسيم الكليات إلى قمة وقاع، أما إن لم أُسلِّم، وهذا بالفعل موقفى القاطع، فيكفى أن أقول إنها كلية مهمة جدًا، ونافعة جدًا، والدراسة فيها مختلفة بشكل لافت للانتباه. وكم أضنانى الكاتب المحترم الأستاذ أحمد طه النقر حين كتب مقالًا قبل سنوات يعتبر فيه كلية الزراعة هى أعلى وأهم الكليات الجامعية، ويبدى تأسفه من أن أحدًا من طلاب المرحلة الأولى، حسب تنسيق الثانوية العامة، لم يتقدم لكليات الزراعة فى مختلف الجامعات المصرية.
كم نحتاج بشدة إلى خريجين متمكنين فى المجالات التى تدرسها كليات الزرعة فى مختلف أقسامها إن كنا نريد فعلًا أن نطور حياتنا إلى الأفضل، لا سيما فى مجال الكيمياء الحيوية النباتية والحيوانية، والصناعات الغذائية، ناهيك عن أساليب الزراعة الحديثة، وطرق الرى الجديدة، وطريقة تنمية الثروة الحيوانية.. إلخ.
ووقت أن كانت مصر ملتفتة إلى هذا المسار المهم كان المهندسون الزراعيون لهم مكانتهم ودورهم، لكن إهمال الزراعة انعكس على صورة خريجيها، رغم أهمية ما يدرسون وما هم متدربون عليه ومدركون له وفاهمون فيه، وهو وضع مغلوط آن له أن يختفى من حياتنا.