الفيروسات تنصف داروين

الفيروسات تنصف داروين

الفيروسات تنصف داروين

 العرب اليوم -

الفيروسات تنصف داروين

بقلم:خالد منتصر

عبقرية داروين لا تكمن فقط فى كتابه عن التطور واكتشافه للنظرية، بل تكمن فى إنصاف علم الوراثة والحفريات وأيضاً الفيروسات، كل يوم يثبت العلم بدليل لا يقبل الشك أن التطور حقيقة، اطلعت أخيراً على بعض المقالات والكتب التى تتحدث عن علاقة ما يسمى الفيروسات القهقرية ونظرية التطور، وهذه هى الحصيلة والملخص، تخيل أنك عثرت داخل مكتبة عائلتك على رسالة قديمة جدًا كتبها أحد أجدادك قبل مئات السنين.

ثم اكتشفت أن أبناء عمومتك فى مدينة أخرى يحتفظون بالرسالة نفسها، وفى الصفحة نفسها، بل وحتى فى السطر نفسه، ما هو التفسير الأكثر منطقية؟ أنكم ورثتم هذه الرسالة من سلف مشترك، هذا بالضبط ما وجده علماء الوراثة داخل الحمض النووى للكائنات الحية، ولكن الرسالة هنا لم يكتبها إنسان، بل فيروس، الفيروسات القهقرية أو الارتجاعية هى نوع خاص من الفيروسات يختلف عن معظم الفيروسات الأخرى، فعندما يصيب خلية لا يكتفى بالتكاثر داخلها، بل ينسخ مادته الوراثية ويُدخلها إلى الحمض النووى للكائن المصاب. كأنه يترك توقيعه داخل كتاب الحياة نفسه، فى معظم الحالات لا تنتقل هذه التوقيعات إلى الأجيال التالية، لأن الإصابة تحدث فى خلايا الجسم العادية.

لكن أحيانًا نادرة جدًا يصيب الفيروس خلية جنسية، كحيوان منوى أو بويضة. عندها تصبح البصمة الفيروسية جزءًا من المادة الوراثية التى تُورَّث للأبناء والأحفاد، ومع مرور ملايين السنين تتحول هذه البصمات إلى حفريات جينية محفوظة داخل الجينوم، المذهل أن العلماء عندما فحصوا الجينوم البشرى وجدوا أن نحو ٨٪ من حمضنا النووى يتكون من بقايا فيروسات قهقرية قديمة. هذه النسبة أكبر من النسبة التى تشغلها الجينات المسؤولة مباشرة عن تصنيع البروتينات فى أجسامنا نحن نحمل داخل خلايانا متحفًا كاملاً من آثار معارك قديمة بين أسلافنا وهذه الفيروسات.

لكن ما هى علاقة ذلك بالتطور؟، هنا تبدأ القصة الحقيقية، عندما قارن العلماء بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزى وجدوا آلاف البصمات الفيروسية الموجودة فى المواضع نفسها تقريبًا داخل الكروموسومات، ليس فقط أن الفيروس موجود عند النوعين، بل إنه مدفون فى المكان نفسه من الحمض النووى، احتمال أن يصيب فيروسان مختلفان نوعين مختلفين ثم يندمجا مصادفة فى الموضع نفسه آلاف المرات يكاد يكون مستحيلاً. أما التفسير البسيط فهو أن الإصابة حدثت مرة واحدة فى سلف مشترك قديم، ثم ورثها نسل ذلك السلف حتى وصلت إلينا وإلى الشمبانزى، كلما ابتعدنا عن أقربائنا على شجرة الحياة تقل هذه البصمات المشتركة.

فالإنسان يشترك مع الشمبانزى فى عدد كبير جدًا منها، ويشترك مع الغوريلا فى عدد أقل قليلًا، ومع القردة الأبعد فى عدد أقل، وهكذا، إنها صورة تطابق بدقة شجرة النسب التى تنبأت بها نظرية التطور قبل أن يعرف العلماء شيئًا عن الحمض النووى، والأكثر إدهاشًا أن بعض هذه الجينات الفيروسية لم تبق مجرد آثار صامتة، فقد أعاد التطور توظيف بعضها لخدمة الكائن الحى، ومن أشهر الأمثلة بروتين «سينسيتين» الضرورى لتكوين المشيمة عند الإنسان والثدييات.

هذا البروتين كان فى الأصل جزءًا من فيروس قديم يستخدمه للاندماج مع الخلايا، ثم استعارته الطبيعة واستخدمته لمساعدة خلايا المشيمة على الاندماج وتكوين العضو الذى يغذى الجنين داخل الرحم. بعبارة أخرى، أحد أهم العناصر اللازمة لنجاح الحمل عند البشر يعود أصله إلى فيروس عاش قبل عشرات الملايين من السنين، لهذا ينظر علماء الأحياء إلى الفيروسات القهقرية كواحدة من أقوى الأدلة الجزيئية على التطور، فهى لا تخبرنا فقط أن الكائنات الحية تغيرت عبر الزمن، بل تحفظ أيضًا سجلاً تاريخيًا لهذه التغيرات داخل الجينوم نفسه.

إنها أشبه بأختام بريدية قديمة ما زالت ملتصقة برسائل وصلت إلينا من أسلاف عاشوا قبل ملايين السنين، عندما كان داروين يكتب كتابه الشهير «أصل الأنواع» لم يكن يعلم شيئًا عن الحمض النووى أو الفيروسات القهقرية. ومع ذلك تنبأت نظريته بأن الكائنات الحية يجب أن تحمل آثارًا مشتركة تدل على انحدارها من أسلاف مشتركة. وبعد أكثر من قرن جاء علم الوراثة الحديث ليكشف تلك الآثار حرفيًا داخل كل خلية من خلايانا، إنها واحدة من اللحظات النادرة فى العلم التى يبدو فيها الماضى وكأنه ما زال يتحدث إلينا، ليس من خلال الحفريات فى الصخور، بل من خلال حفريات محفوظة داخل جيناتنا نفسها.

لمزيد من الشرح والفهم إليكم تلك المراجع:

Why Evolution Is True — للمؤلف Jerry Coyne

 

 

arabstoday

GMT 12:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

قصَّر في الأعمار طول السهر

GMT 11:25 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 11:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:16 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 03:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والاستقلال المنقوص

GMT 03:09 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيروسات تنصف داروين الفيروسات تنصف داروين



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ العرب اليوم

GMT 17:56 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران
 العرب اليوم - ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 العرب اليوم - علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 15:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا
 العرب اليوم - احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا

GMT 06:35 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البيرو تسجيل 700 هزة أرضية منذ بداية سنة 2026

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 08:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

غارات جوية روسية تستهدف جسرًا في العاصمة الأوكرانية كييف

GMT 05:47 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

إنفانتينو يخسر دعم بلده سويسرا في حملته لرئاسة الفيفا

GMT 15:00 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بزشكيان يؤكد استعداد إيران للحوار مع واشنطن رغم الخلافات

GMT 03:35 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيلون ماسك يثير الجدل بحيلة طبية لتخفيف حرقة المعدة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 18:11 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

العصابات المسلحة تختطف وتهاجم في غزة وسط قصف إسرائيلي

GMT 06:05 2026 الأربعاء ,30 أيلول / سبتمبر

جددي ديكور منزلك بالمرايا في خريف 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab