لندن ـ العرب اليوم
هل يجب غسل الدجاج قبل طهيه؟ سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يثير جدلاً واسعاً في المطابخ حول العالم، وينقسم الناس بشأنه بين من يعتبر الغسل خطوة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، ومن يرى فيه ممارسة خطيرة قد تؤدي إلى تلوث الطعام وانتقال البكتيريا.
في كثير من الدول، تنصح إرشادات سلامة الغذاء بعدم غسل الدجاج النيّئ، محذّرة من أن هذه الخطوة قد تسهم في نشر بكتيريا ضارة على الأسطح وأدوات المطبخ والأطعمة المجاورة. في المقابل، يتمسّك عدد كبير من الطهاة وربّات البيوت بهذه العادة، معتبرين أنها جزء من النظافة والحرص على سلامة الطعام، بل ويرى بعضهم أن تناول الدجاج من دون غسله سلوك غير صحي.
وتُعد هذه القناعة راسخة في ثقافات عديدة في آسيا والكاريبي وأمريكا الجنوبية وأفريقيا وبعض دول حوض المتوسط، حيث يُنظر إلى غسل الدجاج بوصفه ممارسة طبيعية ومتوارثة، مرتبطة بالعادات المنزلية والتنشئة والذاكرة المرتبطة بالمطبخ.
لكن بعيداً عن العادات والتقاليد، يوضح مختصون في علوم وسلامة الغذاء أن الدجاج النيّئ غالباً ما يحمل بكتيريا مثل السالمونيلا وكامبيلوباكتر، وهما من أبرز مسببات التسمم الغذائي. ويحذّر الخبراء من أن غسل الدجاج، خصوصاً تحت الماء الجاري، يؤدي إلى تطاير رذاذ مائي دقيق قد يكون محمّلاً بهذه الجراثيم، لينتشر على أسطح العمل، والأدوات، والملابس، وحتى على أطعمة أخرى قريبة قد تؤكل من دون طهي.
ويشير مختصون إلى أن هذه القطرات لا تُرى بالعين المجرّدة، لكنها قادرة على نقل التلوث بسهولة. وقد أظهرت تجارب مخبرية أن غسل الدجاج لبضع ثوانٍ فقط يمكن أن يؤدي إلى انتقال البكتيريا إلى الطاولات، وألواح التقطيع، والكاميرات، بل وحتى إلى الخضروات الطازجة مثل الخس والجزر، ما يرفع خطر الإصابة بالتسمم الغذائي.
ويؤكد الخبراء أن الخطر الأكبر لا يكمن في الدجاج نفسه، إذ إن الطهي الجيد كفيل بالقضاء على البكتيريا، وإنما في انتقال الجراثيم من الدجاج النيّئ إلى أطعمة أخرى تُستهلك من دون طهي. وتُعد هذه الطريقة من أكثر أسباب الإصابة بالسالمونيلا وكامبيلوباكتر شيوعاً.
وتُعتبر بكتيريا كامبيلوباكتر من الأسباب الرئيسية عالمياً لأمراض الإسهال والتهاب المعدة والأمعاء، وقد تكون في بعض الحالات أخطر من السالمونيلا. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم توافر لقاح لها حتى اليوم، إضافة إلى أن الكمية اللازمة للتسبب بالعدوى صغيرة جداً، إذ قد تكفي قطرة واحدة ملوّثة لإصابة الإنسان بالمرض.
وتظهر أعراض الإصابة عادة بعد يومين إلى خمسة أيام، وتشمل الإسهال، الذي قد يكون مصحوباً بالدم، وآلام البطن، وارتفاع الحرارة، والصداع، والغثيان، والتقيؤ. ويكون الأطفال وكبار السن أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات شديدة، وقد يعاني بعض المرضى أعراضاً طويلة الأمد أو حالات نادرة تؤدي إلى مضاعفات عصبية.
ورغم ذلك، يشير مختصون إلى أن كثيراً من الإصابات لا تُشخَّص رسمياً، لأن الإحصاءات تعتمد غالباً على الحالات التي تستدعي رعاية طبية، ما يعني أن العدد الحقيقي للإصابات قد يكون أعلى بكثير من الأرقام المعلنة.
وفي المقابل، يواصل كثيرون غسل الدجاج قبل الطهي. وتُظهر دراسات حديثة أن غالبية المستهلكين في بعض مناطق العالم ما زالوا يمارسون هذه العادة. ويُعزى ذلك، جزئياً، إلى اختلاف طرق إنتاج الدجاج ومعالجته. ففي دول عديدة، يُذبح الدجاج محلياً أو يُباع في أسواق مفتوحة، حيث تختلف مستويات النظافة، ما يعزز الشعور بضرورة غسله قبل الاستخدام.
ويرى بعض الطهاة أن المشكلة لا تكمن في غسل الدجاج بحد ذاته، بل في طريقة الغسل. فهناك من يفضل غسله داخل وعاء باستخدام الليمون أو الخل، ثم تنظيف المغسلة وأسطح العمل جيداً بالماء الساخن والمنظفات، معتبرين أن ذلك يقلل المخاطر.
غير أن مختصين في سلامة الغذاء يشددون على أن استخدام الليمون أو الخل لا يضمن القضاء على البكتيريا بشكل موثوق، وأن الغسل داخل وعاء، وإن كان أقل خطورة من الغسل تحت الماء الجاري، لا يخلو أيضاً من مخاطر التلوث. ويؤكدون أن الطريقة الوحيدة الآمنة للتخلص من البكتيريا هي طهي الدجاج جيداً، وأن معظم الدجاج المعروض للبيع يكون قد خضع أصلاً لعمليات تنظيف ومعالجة قبل وصوله إلى المستهلك.
وفي ظل هذا الجدل المستمر، يجمع الخبراء على مجموعة من النصائح الأساسية لتحضير الدجاج بأمان: عدم غسله، غسل اليدين والأدوات جيداً بعد التعامل معه، فصل الدجاج النيّئ عن الأطعمة الأخرى، وحفظه في الرف السفلي من الثلاجة، إضافة إلى طهيه بشكل كامل. وبين العادة المتوارثة والتحذيرات العلمية، يبقى القرار اليومي في المطبخ مرتبطاً بمدى الوعي بالمخاطر غير المرئية التي قد يحملها الدجاج النيّئ.
قد يهمك أيضا
أرسل تعليقك