أمطار سوداء تجرف أشجار الثورة في اليمن
آخر تحديث GMT20:27:20
 العرب اليوم -

"أمطار سوداء" تجرف أشجار الثورة في اليمن

 العرب اليوم -

 العرب اليوم - "أمطار سوداء" تجرف أشجار الثورة في اليمن

صنعاء ـ وكالات

يحـــاول الروائيّ اليمنيّ بدر أحمد في روايـــته «أمطار سوداء» (الوطن- الرباط) التقاط صخب المرحلة المفصليّة التي تقطع بين بدايات الثورة ونهاياتها. فيقـــتفي الكاتب، بعين المعايش المنتقد، ضجـــيج المنعــــطفات الخطيرة التي تمرّ بها الثورات وتودي بالكثير من الأبرياء على هامـــشها في رحلتها نحو الخاتمة المنشودة، وكيف أنّ تلك الخاتمة تطول بحيث تغدو المنعطفات نفسها ساحات متــــشعّبة تتفرّع عنها انزياحات وانحرافات كثــــيرة عن جادّة الثورة، ما يثقل أعباء الثوّار ويتسبّب لهم بإشكالات تتفاقم بالتقادم. يرصد الكاتب شخصيّة بطله وهو في حالة غفلة ممّا يجري من حوله، يصادف اجتياحاً لقطيع من المسلّحين التابعين للنظام يمطرون الناس برصاصاتهم الغادرة، ثمّ يصوّر كيف أنّ القنّاصين اعتلوا أسطح البنايات وقاموا بقنص كلّ ما يتحرّك، ما أوجب على البطل، الغفل من الاسم، الاستعانة بخبرات عجوز صادفه وأنقذه من القنص والموت. تتّخذ العلاقة منحى مختلفاً بين الشابّ الغافل عن حقيقة ما يجري في بلاده وماضيه، والرجل العجوز الذي يسديه النـــصح ويقوده في طريق ينشد التخلّص من طلقات القنّاصة، بين ركام البيوت المهدّمة والخـــراب الذي خلّفته القذائف التي لم تهدأ. يحاول العجوز تخليص نفسه والشابّ الذي معــــه، يقوده في متاهة اضطراريّة، يتعرّف الفتـــى من خلاله إلى دواخل البيوت المدمّرة ويسترجع حيَوات أصحابها النازحين الفارّين من هول القصف وإجرام السلطة وحقدها الفظيع. ويتعرّف الفتى من خلال الحجّ أمين إلى عدد من الناس الذين يفترض بهم أن يكونوا أبناء بلده في حين أنّه لا يعرف شيئاً عن أحوالهم، وكأنّه آتٍ من كوكب آخر. حياة القاع يقسّم بدر روايته إلى قسمين، الأوّل: «لقاء»، والثاني: «نفوسة». في القسم الأول يلتقي الشابّ، غير المسمّى وغير المنتمي، بمَن يضعه في مواجهة مع الواقع بكلّ مرارته وكآبته ونكبته، يضعه في مواجهة مع الماضي والحاضر والمستقبل، يخبره الكثير من القصص وهو يقوده في رحلة الهرب من الموت المحدق بهما. يكون اللقاء صدمة تعيد للفتى الوعي بالواقع والحياة بعيداً من أوهام فرضت حجاباً عليه. وفي الفصل الثاني يشير إلى إسم مدينة تفقد ملامحها جرّاء اقتتال بنيها وتناحرهم المتجدّد وارتهانهم في فخّ البحث عن التسيّد وسط مستنقعات من الدمار والعنف والفوضى وتفشّي الجريمة والموت. يكتشف الفتى حياة القاع من خلال التنقّل في السراديب، يتفاجأ ببشر كانوا قريبين منه لكنّه كان غافلاً عنهم وعن همومهم، يُصدَم حين يخبره «الحجّ أمين» بأنّه يحمل شهادة عليا، وتزداد صدمته حين يعرّفه هذا الأخير إلى «الحج خليل» الذي يحمل بدوره شهادة في الطبّ من ألمانيا، إلاّ أنّ السلطة منعته من مزاولة مهنته، لأنّ بعض أبناء الفئة الحاكمة وجدوا في الطبيب الآتي من الغرب والمنحدر من طبقة اجتماعية دنيا، خطراً على نفوذهم المستقبليّ، وكانت الخشية من أن يصبح نموذجاً يحتذى لأبناء طبقته، ما قد يشكّل تهديداً على سلطة أبناء المتنفّذين والمسؤولين وتقليلاً من شأنهم، ولاسيّما أنّ الحج خليل كان قد ظفر بالزواج بطبيبة ألمانية حسناء، ورضيت بالرجوع معه إلى بلده. لكنّ نقاط قوّته وتفوّقه شكّلت مقتله العلميّ وبدّدت حياته ومستقبله. رحلة الشابّ تكاد تشبه رحلة «حنظلة من الغفلة إلى اليقظة»، لكنّ يقظته في حالته وهو على أعتاب الموت يبوح للحجّ أمين في اللحظة الأخيرة باسمه، ويكون اسمه أيضاً أمين. وتكون يقظته محفوفة بالموت والرصاص والدماء والعنف. لا يبين الشابّ إن كان اسمه الحقيقيّ أمين أم أنّه من باب التماهي مع الحج أمين الذي تحدّى المشقّات وأنقذ نفسه وأهله من براثن الموت، كما لا يظهر إن كان الفتى هو صورة الحج أمين في شبابه، ويعكس نوعاً من الانقسام الذي يجتاح حياة المرء في ظلّ النكبات والانقسامات والشروخ التي تخلّفها الحروب الأهليّة، بحيث تغرّب المرء عن نفسه، وتبقيه رهين وساوسه وأوهامه. وتكون النهاية التصفية على أيدي ملثّمين مجهولين يتوحّشون وينكّلون بالمدنيّين العزّل ويفجّرون البيوت والمدن من دون رحمة أو شفقة أو أيّ إحساس بالمسؤوليّة إزاء القيم الإنسانيّة، إشارة إلى خطورة المرحلة للاحقة للثورة، وكيف أنّ الثورات قد تودي بأبنائها في بعض الأحيان. حمّى الشعارات يكتب بدر أحمد عن حمّى الشعارات التي سادت زمناً وتحايلت عبرها الأنظمة على الشعوب ومطالبها وأجّلت كلّ شيء تحت زعم الدفاع عن القضايا الكبرى وتحقيق الأهداف المضخّمة. ويكتب أيضاً عن ثورات تتلاعب بها أيادٍ قذرة تخرجها عن سياقها وتكبّلها بأحقاد لا تنتهي، ويحكي عن عنف السلطة حين تجد نفسها أمام مطالب الشعب المحقّة ودأبها على حَرْف الثورة عن مسارها وإدخالها في دهاليز المساومة والابتزاز والانتهازية والفساد بغية تعميم الخراب لتقدّم نفسها الحامية لبلاد تنحدر نحو التصفية والاغتيال والجنون، ولتبرز أنّ الثورة ليست إلاّ خراباً واحتراباً وانتهازية واستغلالاً وفساداً. يرمز الكاتب إلى أنّ أمطار الثورة تغدو سوداء بفعل المتلاعبين ببراءتها والمرجوّ منها، بحيث أنّها تدفَع إلى الاكتساء بلون العتمة والجهل لتقيّد في إطار تعميم الظلاميّة وعدم المجيء بأيّ خير لاحق منشود، ويكون المطر الأسود جلباب الموت المخيّم على البلد غير المسمَّى، والمفتوح على احتمالات عديدة، كلّها تشير إلى بلاد الثورات العربيّة وما تعانيه من تداعيات خطيرة أودت بملايين البشر الأبرياء الذين دفعوا ضريبة مطامح العيش بسلام وأمان وكرامة تشرّداً ولجوءاً ونزوحاً وقتلاً وتنكيلاً وخراباً عمّمته سلطات قامعة لم تستطع النظر إلى الشعوب يوماً على أنّها بشر.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمطار سوداء تجرف أشجار الثورة في اليمن أمطار سوداء تجرف أشجار الثورة في اليمن



GMT 03:19 2018 الجمعة ,28 كانون الأول / ديسمبر

روافد تصدر رواية امبريك للروائي المغربي ميلود بنباقي

GMT 00:19 2018 الأحد ,09 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكتاب تصدر كتابًا جديدًا عن آثار أرض الفيروز

GMT 00:24 2018 الخميس ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

مشروع كلمة يصدر ترجمة كتاب صناعة اللوم

GMT 18:41 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

نعيم صبري يستعيد زمن عبد الحليم حافظ في رواية "صافيني مرة"

GMT 23:39 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

دار الكتب تعلن وقف بيع مخطوط "قنصوة الغوري" في لندن

GMT 23:28 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الشك حول المصير الإنساني في رواية "نهر الزمن" للصيني يو هوا

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمطار سوداء تجرف أشجار الثورة في اليمن أمطار سوداء تجرف أشجار الثورة في اليمن



ارتدت تنورة باللون الزيتوني ومجموعة من المجوهرات الفضية

بيلا حديد بإطلالة مثيرة في عيد ميلاد حبيبها

واشنطن ـ رولا عيسى

GMT 05:52 2019 الأحد ,17 شباط / فبراير

جيجي حديد تتألّق في عيد الحب بمعطف أسود أنيق
 العرب اليوم - جيجي حديد تتألّق في عيد الحب بمعطف أسود أنيق

GMT 06:13 2019 الأحد ,17 شباط / فبراير

موقع "تويتر" يفضح مستخدميه وينتهك خصوصيتهم
 العرب اليوم - موقع "تويتر" يفضح مستخدميه وينتهك خصوصيتهم

GMT 13:17 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

محمود عبد العزيز الغائب الحاصر

GMT 11:55 2018 الإثنين ,06 آب / أغسطس

المسؤولية الاجتماعية وأخلاقيات الأعمال

GMT 14:20 2018 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

أودي تكشف عن "E-Tron-GT" بمواصفات مذهلة

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

أحد يوقّع مخالصة مالية مع الثنائي طلال مجرشي وسميحان

GMT 07:29 2018 الخميس ,06 أيلول / سبتمبر

نهلة الدقن تكشف أحدث الطرق لتفادي تساقط الشعر

GMT 20:58 2018 الأحد ,09 كانون الأول / ديسمبر

المملكة تنضم إلى اللجنة الثلاثية في مجموعة العشرين

GMT 02:22 2018 الأحد ,09 كانون الأول / ديسمبر

سماح السيد تؤكّد أنها تُصمم وسائل للارتقاء بذكاء الطفل

GMT 00:33 2018 السبت ,08 أيلول / سبتمبر

قائمة نيويورك تايمز لأعلى مبيعات الكتب

GMT 00:19 2018 الأحد ,09 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكتاب تصدر كتابًا جديدًا عن آثار أرض الفيروز

GMT 22:51 2018 الأحد ,02 كانون الأول / ديسمبر

الكويت ترفع الحظر عن استيراد المواد الغذائية العراقية

GMT 09:55 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

جهود جبارة لتطوير المناطق العشوائيات في 4 محافظات في مصر

GMT 06:19 2018 الخميس ,27 أيلول / سبتمبر

عبير تُقيم إطلالات "النجمات" في مهرجان الجونة
 
 العرب اليوم -  العرب اليوم -  العرب اليوم -  العرب اليوم -  العرب اليوم -
arabstoday arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
arabs, Arab, Arab