أحداث فرنسا تعيد الجدل عن علاقة النصوص الدينية الإسلامية بالعنف
آخر تحديث GMT18:30:00
 العرب اليوم -

مع ظهور خطاب الثناء على الهجمات عبر مواقع التواصل

أحداث فرنسا تعيد الجدل عن علاقة النصوص الدينية الإسلامية بالعنف

 العرب اليوم -

 العرب اليوم - أحداث فرنسا تعيد الجدل عن علاقة النصوص الدينية الإسلامية بالعنف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
باريس - العرب اليوم

عند كلّ جريمة ذات طابع "إرهابي"، يشعر المسلمون حول العالم بأنّهم مطالبون بتبريرات أو بالاعتذار عن ممارسات لا دخل لهم بها، سوى أنّ فردًا قرّر تنفيذها "باسم دينهم"، وهذا المشهد ليس جديدًا: فمنذ هجمات 11 سبتمبر، وما تلاها وسبقها من تنظيرات حول "صراع الحضارات"، يرفع كثيرون حول العالم شعار "الإرهاب لا دين له".

في حين، يصرّ عدد من المفسرين، من شرق وغرب، على ربط العنف بأصل ديني ثابت، يساعدهم في ذلك انتشار خطاب "ثناء" على "الهجمات الإرهابية" من قبل حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي.

هكذا، يتجدّد دومًا السؤال عن علاقة بعض النصوص بالعنف، وعن السياق الذي دفع إلى تفسيرها بطريقة تشرّع القتل، لتكون أداة فقهية بيد عدد من الجماعات المتطرفة.

فإلى أيّ مدى يصحّ القول إنّ بعض النصوص "عنيفة"؟ ومتى يستخدم بعض المفكرين هذا السؤال لنقد بنىً مهترئة، ومتى يكون ذريعة لفرض سياسات عنصرية تمييزية على المسلمين المهاجرين؟

بالنسبة للباحث في الفلسفة، ناصر الأمين، فإنّ السؤال عن "عنف الدين"، بحدّ ذاته، سؤال خاطئ، لأنّه لا يحدّد المشكلة المشار إليها بالضبط.

كما أنّ "المحتوى العقائدي للإسلام متنوع جدًا، ورغم الاعتقاد السائد بأنّ المذاهب الإسلامية المختلفة تتفق على الأساسيات مثل فكرة التوحيد والنبي والله، إلا أنّ التعمّق بالتفاصيل، يوضح أنّ لكلّ مذهب مفاهيمه الخاصة".

يضيف: "لنأخذ مثلًا مسألة عصمة النبي، فهي ثابتة عند الشيعة، لكنها غير ثابتة عند السنة. أو على سبيل المثال إن درسنا السلفية في القرن الحادي والعشرين، سنجد أنّها حالة خاصة، لم يمرّ تيار تاريخ الإسلام يوضع في الخانة نفسها".

تنسحب مقاربة ناصر الأمين النقدية ذاتها على النقاش الدائر حول تصريح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن "أزمة الإسلام"، وهو التصريح الذي أثار الجدل قبل بضعة أسابيع.

"ما قاله ماكرون لم يكن نقدًا أكاديميًا، بل كان إعلانًا عن اتخاذ الدولة سياسات سيكون لها انعكاس سلبي على المسلمين"، يضيف الأمين الذي يرى أن "استخدام جماعات مثل القاعدة وتنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلامية التأويلات الدينية لتبرير عقيدتها وأعمالها العسكرية، يتشابه مع سياق تبرير ماكرون سياساته التمييزية، بعلمانيته وفرنسيته".

لذلك فإنّ الأسئلة العقائدية ومحاولة درس الأيديولوجيات في لحظات دامية مثل قطع رأس الأستاذ الفرنسي، صامويل باتي، أمر غير مجدٍ"، بحسب تعبيره.
لكن بعيدًا عن محاولة تفكيك ألغاز الأيديولوجيات المتطرفة أو تلك المضادة للتطرّف، كيف يمكن أن نفهم ارتباط بعض الأعمال العنيفة بمصادر فقهية إسلامية شائعة؟

تأويل مهيمن

برأي الأستاذ الجامعي المغربي والباحث في إشكاليات إصلاح الفكر الديني في الإسلام، رشيد سعدي، أنه من غير الدقيق الحديث عن "عنف في الدين بحد ذاته"، بل يُمكن الحديث عن تأويلات عنيفة، يصفها بـ"التأويل المهيمن".
يقول: "النصوص وتفسيراتها والمنظومات الفقهية نتاج تاريخي شديد التعقيد، إذ أنّها وٌضعت في سياقات دفاعية دقيقة ميزت بدايات الدولة الإسلامية الفتية وهشاشة الجماعة المسلمة الأولى التي كانت تخضع لتهديدات خارجية".

ويضيف: "يمكن لبعض التأويلات، أن تشكل مصدرًا لشرعنة العنف، ومنها بعض الإجماعات الفقهية حول مسائل مثل حكم الردة وجهاد الطلب ومعاقبة المستهزئين بالإسلام أو المنكرين لما يُعد ثوابت الدين".

ويرى سعدي أن "بعض التيارات الفكرية مثل الوهابية فعّلت التأويلات الأصولية، وأعادت تفعيل بنى نصية وفكرية عنيفة بلغت أوجها مع السلفيات الجهادية".

"ففي حالة تنظيم ما يٌعرف بالدولة الإسلامية ، لا يُمكننا أن ننفي أهمية السياق الجيوستراتيجي، لكن الأساس التأويلي، من خلال مفاهيم الخلافة ودولة الشريعة، كان حاسمًا في بناء الرأسمال التعبوي للحركة التي حاولت من خلال ممارستها أن تجسد النموذج النقي لـ"البنية النصية" العنيفة (قتل المرتدين، معاملة غير المسلمين، أسواق النخاسة)"، بحسب رشيد سعدي.

عمومًا، يستهجن المسلمون الممارسات العنفية، لكن هناك عدم "وعي لدى فئات واسعة منهم بوجود هذه البنية النصية وبخطرها، ما يدخلهم في حالات من الإنكار الجماعي، وقد تعزّز ذلك مع دخول الإسلام منذ الخمسينات في مرحلة دين الهوية الذي يتميز بانفعالية كبيرة أمام النقد"، بحسب تعبيره.

صدام المحافظة والتحديث

يلفت سعدي إلى أنّ "التأويلات العنيفة ظاهرة مشتركة بين جميع الأديان، وقد أنجزت بعض الأديان، على الأقل نظريًا، مشروع إصلاحها والمواءمة مع الحداثة، في حين لا يزال الإسلام ينتظر دوره. وبالفعل، أنجزت تأويلات غير عنيفة للإسلام لكنها ظلت هامشية وذات تأثير محدود لأن أغلبية المسلمين يفضلون التأويل المعياري التقليدي".

لا شكّ بالنسبة لسعدي أنّ التأويل التقليدي المهيمن للإسلام "مأزوم"، يتصادم فيه مساران، "مسار التحديث ومسار المحافظة أو ما يسمى الأرثوذوكسية (الإسلام القويم أو الصحيح)".
لكنه يشير إلى أنّ هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، "بل تعود لصدمات الحداثة الأولى بعد دخول نابليون بونابارت لمصر ثم بعد إلغاء الخلافة سنة 1924، حين بدأت النقاشات الكبرى حول الإسلام والحداثة والنهضة وشارك فيها المفكرون التنويريون ومن بينهم أولئك المنتمون للمؤسسات الدينية كالأزهر، مثل محمد عبده وعلي عبد الرازق وغيرهم...".

مشاريع التنوير أخفقت بحسب سعدي بسبب الاستعمار الغربي للعالم العربي، مما أدى لنشأة تدريجية لإسلام هوياتي يميل للانغلاق على الذات، إلى جانب إخفاق الأنظمة السياسية العربية في بناء ديموقراطيات.

يضاف إلى ذلك "أنّ الرأي العام الإسلامي يفهم مشاريع التجديد الديني، كمشاريع دخيلة واختراقية تسعى لتدمير الوحدة الدينية الداخلية للأمة، وذلك ناتج عن تدني مؤشرات التقدم الاقتصادي في معظم الدول العربية والإسلامية". كذلك دور "المؤسسات الدينية، التي تسعى لضبط عملية التفسير، ترفض التفسيرات المجازية أو السياقية لأنها تحرمها من عملية الضبط والهيمنة".

ترى الباحثة المغربية في الدراسات الإسلاميةـ مارية باكلا، أن دور المرجعيات الدينية حسّاس جدًا، وتقول اـ "بي بي سي عربي" إن "غزارة المواد المتوفرة لدينا في كتب التراث تجعل من الصعب على المسلم العادي أن يطَّلع على كل ما جاء فيها وتكوين فكرة عامة عن الأمور الفقهية".
برأيها، فإنّ "المسلمين الذين دافعوا عن قاتل الأستاذ الفرنسي، صمويل باتي، لم يستشهدوا بنصوص دينية. لكن دفاعهم ناتج عن غضب شديد وإحساس بأن الغرب يسلط عليهم الظلم والعنصرية والإسلاموفوبيا. المسلمون هم من يختارون أن يجعلوا دينهم عنيفًا أو غير عنيف".

توضح ماريا باكلا في هذا السياق أنّ "القرآن والسنة وكتب التراث فيها نصوص يمكن أن يُفسرها بعضهم أو يُصنفها كنصوص عنيفة. ولكن من ناحية أخرى، ورغم أن الإسلام ليس فيه كهنوت من الناحية النظرية، إلا أنّ تطبيق الأحكام ليس بأيدي العامة. التطبيق للحاكم أو ولي الأمر".

وتضيف: "بعض المسلمين حاليًا يرون أن الفقهاء "لا يعملون بما أنزل الله" وأنهم أصبحوا "وعاظ سلاطين". وهذه هي الذريعة التي يستخدمها المتطرّفون منهم ليقولوا إن مسؤولية الدفاع عن الإسلام تقع على عاتقهم هم. من قتل الأستاذ نفَّذ حكمًا يتفق بشأنه الفقهاء ولكنه يجهل أن تنفيذه على يد مسلم من العامَّة يحيله من حكم متفق عليه إلى جريمة قتل".

وتحيل الأكاديمية المغربية إلى قرار صدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي مفاده أنّ "أن الأصل في علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم السلم، وأن سبب القتال في الإسلام العدوان لا المخالفة في الدين".

هل يرفض الدين النكتة؟

بالنسبة لعدد من المسلمين، تعدّ السخرية من الدين "عدوانًا". فهل يمكننا القول إنّ الدين لا يقبل النكتة؟

تقول مارية باكلا إنّ "في القرآن نصوصًا كثيرة تدعو إلى التغاضي عن الإساءة والاستهزاء وعدم الردّ عليها. ما يمكننا قوله هو أن فقهاء الإسلام المعاصرين لا يقبلون النكتة ويشعرون أن الإساءة موجهة لهم هم أيضًا".
برأيها، فإنّ "الفقهاء يلجأون اليوم إلى التشدُّد في الأحكام بدل الأحكام اللينة التي جاءت في القرآن، لأنّ أغلبهم منعزل عن المجتمع ولا يطورون فكرهم".
وتضيف: "في الفقه الإسلامي جزء يسمّى فقه المآلات وجزء يسمَّى فقه المقاصد. مفاد الاثنين باختصار أن الحكم الشرعي يسقط إذا كان تنفيذه يؤدّي إلى ضرر أكبر من فائدة تنفيذه. لو كان الفقهاء من العقلاء لعملوا بهذين الفقهين لدفع الضرر الذي لحق بصورة الإسلام والمسلمين جرَّاء الذبح والتقتيل".

وتتابع: "بانتشار الانترنت، أصبحت أصوات المتشددين تصل إلى العامَّة، وتدغدغ مشاعر الدونية والغضب والعصبية لديهم. السؤال الذي يبقى مطروحا هو: هل سيسمع المسلمون كلام العقلاء أم أن صوت المتشددين من رجال الدين يبقى هو العالي؟".
بانتظار الإجابة على سؤال ماريا باكلا، يقول شيد سعدي، إنّ "المعركة الحقيقية يجب أن نخوضها ضد انغلاقاتنا، وكلما رفضنا دخول مرحلة التفكيك، والتي هي حتمية تاريخية، كلما ارتفعت كلفة الفجوة بين الإسلام والحداثة".

قد يهمك أيضا :«الوطنية للإعلام» توضح حقيقة ديون ماسبيرو لبنك الاستثمار

مقتل 3 عسكريين وإصابة جندي في "عدوان إسرائيلي" على سوريا

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أحداث فرنسا تعيد الجدل عن علاقة النصوص الدينية الإسلامية بالعنف أحداث فرنسا تعيد الجدل عن علاقة النصوص الدينية الإسلامية بالعنف



GMT 04:42 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

نابولي تستعيد لوحة "سالفاتور موندي" المسروقة

GMT 03:22 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

علماء يكتشفون أداة حربية مدهشة استخدمت قبل 5 آلاف عام

GMT 03:13 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

اكتشاف شبكة أنفاق "بلا نهاية" ومدينة تحت الأرض في السودان

GMT 05:33 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

موسوعة فنية مصرية للاحتفاء بـ"شيخ الخطاطين" خضر البورسعيدي

إطلالات أنيقة للدوام مستوحاة من الفنانة مي عمر

القاهرة ـ العرب اليوم

GMT 06:12 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

فساتين ناعمة تخفي عيوب البطن من مجموعات ريزورت 2021
 العرب اليوم - فساتين ناعمة تخفي عيوب البطن من مجموعات ريزورت 2021
 العرب اليوم - "عيون المياه" في الفجيرة وجهة سياحية مثالية للعلاج والاسترخاء

GMT 06:18 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مجموعة من أفضل أشكال وتصميمات الأرضيات لعام 2021
 العرب اليوم - مجموعة من أفضل أشكال وتصميمات الأرضيات لعام 2021

GMT 22:10 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

الموت يغيّب الزميل سامي حداد بعد عقود من التألق الاعلامي
 العرب اليوم - الموت يغيّب الزميل سامي حداد بعد عقود من التألق الاعلامي

GMT 03:16 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

"جدة البلد"متعة التجوّل عبر التاريخ في "شتاء السعودية"
 العرب اليوم - "جدة البلد"متعة التجوّل عبر التاريخ في "شتاء السعودية"

GMT 07:25 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

غرف النوم المودرن بتصميمات حديثة وألوان مبهرة وهادئة
 العرب اليوم - غرف النوم المودرن بتصميمات حديثة وألوان مبهرة وهادئة

GMT 03:30 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

منافس صيني جديد لسيارات "لاند كروزر"الشهيرة من تويوتا

GMT 20:31 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

"مرسيدس" تكشف موعد طرح طراز EQA الكهربائية الجديدة

GMT 03:16 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

رحالة يعثر على "شجرة الحياة" في بحيرة أسترالية

GMT 01:09 2018 الأحد ,24 حزيران / يونيو

حكايات قرآنية ومعجزات من سورة "الإنسان"

GMT 02:42 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

أبوظبي عروس السياحة "الشتوية"

GMT 03:31 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

مايكروسوفت تكشف عن اختراق متسللين لأنظمتها

GMT 02:30 2021 السبت ,02 كانون الثاني / يناير

الأرض على موعد مع ظاهرة "تساقط مئات الشهب" السبت

GMT 10:39 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح يختار بطل الفيلم الوثائقي عن قصة حياته

GMT 00:35 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

من "لكزس" إلى "سوبارو" سيارات يابانية في 2021

GMT 22:26 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

رياض الأحمري يؤكد أن نهائي الكأس قصم ظهر النصر

GMT 17:35 2020 الإثنين ,03 آب / أغسطس

رنا الأبيض ويزن السيد بإطلالة بحرية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2020 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2020 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
arabs, Arab, Arab