بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر
آخر تحديث GMT21:33:11
 العرب اليوم -

بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر

 العرب اليوم -

 العرب اليوم - بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر

الحراك الشعبي الجزائري
الجزائر - العرب اليوم

هكذا، وفي غفلة عن المثقف الذي لم يعد نابليون يتحسس مسدسه كلما رآه، لأنه لم يعد منخرطاً بما يكفي في معركة الدفاع عن صوت المقهورين، انطلقت مسيرات الحراك الشعبي الجزائري في الـ23 من فبراير (شباط)، سلمية هادئة، إلا أنها هادرة منذ البدء، دائمة التجدد بحيث لَم تفتر حرارتها للمطالبة بالتغيير عبر أيام الجمعات المتتاليات، منذ الأولى حتى هذه الخامسة عشرة. كل جمعة تأتي معها بثمرة نضالية جديدة، بدأت بإلغاء العهدة الخامسة، وانتهت بوضع بعض رؤوس الفساد في السجن، وتأجيل الانتخابات، وما زال الطريق طويلاً ومثمراً...

انطلقت الثورة السلمية على يد شباب قادمين من هذا الزمن الرقمي، يدركون بعمق الحياة وفنون الاتصال بالعالم الخارجي، وعبر نوافذ وسائط التواصل الاجتماعي، واليد البيضاء لمارك زوكربيرغ الذي غير العالم أكثر من أي مثقف أو فيلسوف أو داعية، يدركون أن المجتمعات البشرية كلها في أزمة، تعاني من أهواء التسلط والاستغلال، وفي واقع شديد التعقيد.

رغم أنني أكاد أكون متأكدة أن هؤلاء الشباب، وهؤلاء العمال، والطلبة، والتجار البسطاء، الذين يؤثثون المسيرات الأسبوعية، من النساء والرجال، لم يسمعوا أبداً صوت «ريجيس دوبريه» يقول إن العصر عصر علم، وبالتالي لم يعد للمثقف دور كبير في تعبئة الجماهير، ولا بفكرة «جان بول سارتر» القائلة بفاعلية المثقف الملتزم، وضرورة أخذه بيد مجتمعه، إلا أن المؤكد أن هؤلاء الشباب المنتفضين القادمين من الغبن والبطالة والفقر والإقصاء، وندرة الحلم بل انتفائه، هؤلاء الشباب الذين تنتظرهم زوارق الموت، كبروا بسرعة، ونهلوا من حكمة حياة الناس الصعبة، لذلك فهم أكثر وعياً بمجتمعهم من المثقف، على رأي الفيلسوف علي حرب، وإنهم لا غرو يسخرون من المثقف المستقيل، المثقف الذي تخلى عن وظيفته النقدية والمشاغبة، وعن انخراطه في هموم الإنسان، يسخرون من ذاته المتورمة جداً التي يدفع بها دفعاً مثل كرش ضخمة. المثقف الذي لم يجرب نكران الذات، ولا يحمل قضية، ولا تهمه قضايا الناس؛ إنه المثقف المبهور بمرآته، الفرحان بتعداد جوائزه وإكرامياته، وعلاقاته الثرية الواسعة لخدمة بهرجته وحياته الخاصة، المتعالي بحيث يتهم العامة بالجهل؛ إنهم في المقابل يتفرجون عليه في قفص التدجين.

حقاً إنه عصر نهضة جديد، بمعيار مختلف تاريخياً عن عصر نهضة شبلي شميل، وطه حسين، ومحمد عبده، وقاسم أمين. نهضة مختلفة، تقوم بها طبقة جديدة من الشباب، تشكل الأغلبية الواسعة في المجتمع، لم يشملها التصنيف الطبقي الكلاسيكي. شباب أغلبيتهم متعلمون، منفتحون على العالم الخارجي، نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، تخرجوا من الجامعات في تخصصات مختلفة، لكن البيروقراطية أقصتهم من الحصول على عمل. شباب تكونوا سياسياً خارج الأحزاب السياسية التقليدية المسماة بالمعارضة أو بالموالاة.

 لم يجدوا منبراً لهم لمناهضة الاستبداد بكل أنواعه سوى كبريات ملاعب كرة القدم بالجزائر، يؤمونها بالآلاف، ليس في العاصمة فحسب، بل في كل مكان تدور فيه الكرة، وتدور فيه الأرض. تشتعل مختلف الملاعب كل أسبوع بالأناشيد وأغاني التذمر. كانت تُظهر الشكوى في البداية، ثم تحولت إلى الرفض، ثم إلى الغضب، ثم الثورة والنزول إلى الشارع بكل سلمية، لتحويل مسار النهر نحو مطالب الديمقراطية والدولة المدنية والحرية والعدالة والمواطنة الحقيقية، واسترجاع القدرة على الحلم.

بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار «أنطونيو غرامشي» من «دفاتر السجن»، ولا نية «جان بول سارتر» الطيبة في الالتزام، ولا تاريخ الأنتلجنسيا الفرنسية أو الأنتلجنسيا الروسية، بل وُلدت على أيدي شباب، نسبة عددهم تشكل أكثر من 80 في المائة من سكان البلاد. بوادر نهضة وُلدت بالغة وعاقلة ومتوازنة. انطلقت بهتافاتها الحاسمة في أشكالها اللغوية الشعبية المرنة، ومضمونها الرافض لأي صلح أو تصالح أو أي تفاوض مع رموز الفساد لنظام ريعي قمعي. كانت أصوات الشباب مدوية تملأ سماء العاصمة مثل رعود تحت الشمس:

- مكانش الخامسة يا بوتفليقة جيبو الـ«ب آر» وجيبو «الصاعقة»!

يعني لا تفاوض... هاتوا أعنف ما لديكم من الفيالق المدربة للقمع، وهاتوا أكثر القوات الخاصة للدفاع عن «النظام» وأقساها، فلن نتراجع، وسنظل على سلميتنا، فلم يعد بإمكاننا الصبر. فإما الموت في البحار أو الموت في الحراك.

أمشي وسط الجموع منذ اليوم الأول، بحار متلاطمة أغلبهم من الشباب. كل جمعة جديدة نعبر النفق الذي أُطلق عليه اسم (غار حراك)!!، نجتازه نحو ساحة موريس أودان، ساحة جميلة وسط العاصمة، تحمل اسم المثقف والمناضل الإنساني، شهيد ثورة التحرير الجزائرية موريس أودان (Maurice Audin) الذي اختطفه الجيش الفرنسي سنة 1957 وتم اغتياله، ولَم يعثر له على أثر، ولَم يعتذر النظام الفرنسي عن فعلته هذه رسمياً وأمام العالم، إلا أخيراً على لسان رئيسها الحالي إيمانويل ماكرون.

ها نحن نعبر النفق ثم الساحة، ثم نتوجه نحو البريد المركزي. يبدو وجهي مألوفاً لدى بعضهم، ربما من بينهم من كان طالباً لي في الجامعة في إحدى الدفعات خلال أكثر من ربع قرن من التدريس، أو ربما شاهدني على شاشة ما. يُشهر هاتفه ليأخذ سيلفي على السريع. نبتسم معاً. نبتسم جميعاً للكاميرا وللمستقبل. إنها «ثورة الابتسامة»، إنها «الثورة البيضاء». حتى وإن كان بعضهم، كما يبدو من أحاديثنا الخاطفة، قد اطلع على بعض رواياتي وأشعاري المنددة بالنظام الفاسد التي أشار بعض النقاد إلى أنها تنبأت بالزلازل التي سبقت الثورات العربية، فإنني متيقنة اليقين كله أنهم قرأوا كتاب الحياة، كتاب الحياة اليومية، بما فيه من فنون القهر والبطالة والإقصاء واللاجدوى واللاحُلْم، كتاب الحياة القاسية، تعلموا منه الحلم والمقاومة والثورة.

نسير جنباً إلى جنب في مليونية عامرة بحلم التغيير، وهم يرفعون أصواتهم الشجية والصارمة نحو ملكوت السماء، هاتفين:

- كليتو البلاد... يا السراقين!!

قد يهمك أيضا:

حملة اعتقالات بالجزائر في صفوف المتظاهرين بساحة "البريد المركزي"

إحالة مسؤولين كبار إلى المحكمة العليا والمجلس الدستوري الجزائري يتجه لإلغاء الانتخابات

 

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر



الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر بوادر نهضة العصر الرقمي الجديدة لم تؤطرها أفكار غرامشي ولا سارتر



GMT 00:46 2019 الثلاثاء ,25 حزيران / يونيو

5 تنانير تتربع على عرش خطوط الموضة لصيف وربيع 2019
 العرب اليوم - 5 تنانير تتربع على عرش خطوط الموضة لصيف وربيع 2019

GMT 02:59 2019 الثلاثاء ,25 حزيران / يونيو

"الجسر الذهبى" بين جبال فيتنام الأجمل حول العالم
 العرب اليوم - "الجسر الذهبى" بين جبال فيتنام الأجمل حول العالم

GMT 01:40 2019 الثلاثاء ,25 حزيران / يونيو

ديكورات غرف معيشة 2019 بألوان الصيف المشرقة
 العرب اليوم - ديكورات غرف معيشة 2019 بألوان الصيف المشرقة

GMT 22:07 2016 الإثنين ,05 أيلول / سبتمبر

كيف تعرف أن زوجتك تمارس العادة السرية ؟

GMT 11:17 2016 الخميس ,17 آذار/ مارس

فريق كرة اليد في نادي النور تتأهب للآسيوية

GMT 02:11 2017 الخميس ,02 شباط / فبراير

إليك أجمل مهرب رومانسي في حضن الطبيعة

GMT 14:43 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

قصة زوجة النبي أيوب عليه السلام من وحي القرآن الكريم

GMT 02:22 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

فندق في الهند يتصدَر قائمة أفضل فنادق العالم

GMT 01:50 2017 الأربعاء ,05 تموز / يوليو

تصميمات عصرية لعاشقي الأشكال الهندسية الغريبة

GMT 03:25 2019 الأربعاء ,12 حزيران / يونيو

ترامب يستهدف السياسة النقدية ويهاجم "المركزي"

GMT 03:36 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

"نمو قرون الغزال يساعد في علاج"هشاشة العظام

GMT 13:58 2018 الجمعة ,28 كانون الأول / ديسمبر

حكيمي على رأس تشكيلة شباب البوندسليجا المثالية

GMT 16:04 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

السورية بوران زويكلي موهبة متألقة بلعبتي الجودو والمصارعة

GMT 21:33 2018 الجمعة ,26 كانون الثاني / يناير

وفاء عامر تكشف الاسم الحقيقى لشقيقتها أيتن

GMT 11:12 2017 السبت ,16 كانون الأول / ديسمبر

بي إم دبليو X6 M معدلة تلفت الانتباه في أبو ظبي

GMT 11:06 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الكماليَّات في "ديكورات" المنزل أكثر أهميَّة من الأثاث

GMT 07:59 2017 الأربعاء ,06 أيلول / سبتمبر

الانسجام الفكري بين الأزواج
 
syria-24

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
arabs, Arab, Arab