في مشهد آخذ في الاتساع والتأثير، تفرض الوجوه السودانية حضورها بقوة داخل الدراما والسينما المصرية، لتتحول من مشاركات محدودة إلى عناصر لافتة تخطف الأضواء وتعيد تشكيل خريطة الأداء العربي المشترك في عاصمة السينما العربية.
البداية كانت مع الضجة التي أحدثتها البوسترات الفردية لنجوم سودانيين في فيلم "أسد"، حيث برزت أسماء الفنانين السودانيين، إسلام مبارك، إيمان يوسف، ومصطفى شحاتة إلى جانب النجم محمد رمضان، في عمل يُنتظر أن يكون من أبرز رهانات شباك التذاكر خلال موسم عيد الأضحى. ظهورهم لم يكن عابراً، بل حمل دلالات واضحة على تصاعد الحضور السوداني داخل صناعة ترفيه طالما بدت مغلقة نسبياً أمام الوجوه الجديدة.
وخلال العامين الماضيين، رسخت الفنانة السودانية إسلام مبارك مكانتها كممثلة قادرة على اقتناص الأدوار الصعبة، لا سيما في فيلم "ضي" للمخرج كريم الشناوي، حيث قدمت شخصية "زينب" — الأم التي تواجه قسوة مجتمع لا يرحم طفلها المصاب بالألبينو — بأداء إنساني عميق ترك صدى واسعاً. ولم يأتِ هذا التألق من فراغ، إذ حصدت إسلام مبارك عدة جوائز مرموقة، بينها جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان هوليوود للأفلام العربية، وجائزتا أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «ضي»، من مهرجان بورسعيد السينمائي للأفلام الروائية والتسجيلية القصيرة ومهرجان بغداد السينمائي الدولي، في تأكيد جديد على حضورها اللافت وقدرتها على فرض نفسها عربيا.
كما عززت حضورها عبر الدراما التلفزيونية، بمشاركتها في مسلسل "أشغال شقة جدا"، إلى جانب نخبة من نجوم الشاشة المصرية، هشام ماجد وأسماء جلال ومصطفى غريب. يومها قالت إسلام إن تفاعل الشارع المصري مع شخصية "مدينة" التي جسدتها في المسلسل المذكور، فاق توقعاتها.
محمود السراج... صعود ثابت وأدوار مركبة
في المقابل، يواصل الفنان محمود ميسرة السراج ترسيخ اسمه كأحد أبرز الممثلين السودانيين في مصر، بعدما لفت الأنظار في سلسلة من الأعمال الدرامية المتنوعة، مثل "شماريخ"، "أهل الخطايا"، "سيد الناس"، "سوا سوا"، "بطن الحوت"، "قلع الحجر"، و"قسمة العدل"، مقدّماً شخصيات مركبة تنبض بالتفاصيل.
وجاء تتويجه بجائزة أفضل ممثل مساعد عن دوره في مسلسل "سوا سوا" ليؤكد هذا المسار التصاعدي. العمل، الذي عُرض في النصف الأول من رمضان 2026، وشارك في بطولته أحمد مالك وهدى المفتي وشريف دسوقي ونهى عابدين، شكّل محطة فارقة في مسيرته، حيث جسد شخصية "رياض" بإقناع لافت.
اللافت أن الجائزة جاءت بناء على تصويت جماهيري تجاوز أربعة ملايين صوت، في مؤشر واضح على حجم التفاعل مع الدراما الرمضانية هذا العام، وعلى قدرة السراج في كسب ثقة الجمهور والنقاد معا.
هكذا، لم تعد المشاركة السودانية مجرد إضافة، بل أصبحت عنصراً فاعلاً يعيد تعريف الحضور العربي المشترك على الشاشة، ويؤكد أن الموهبة الحقيقية قادرة دائماً على اختراق الحدود وصناعة التأثير.
"ظهور ليس طارئاً"
في قراءة نقدية تستعيد جذور التداخل الفني بين القاهرة والخرطوم، يرى الناقد السوداني مصعب الصاوي أن حضور الوجوه السودانية في الدراما والسينما المصرية ليس طارئاً أو عابراً ، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التفاعل الثقافي الذي سبق لحظتنا الراهنة بسنوات بعيدة.
ويشير الصاوي لـ"العربية.نت" إلى أن البدايات تعود إلى حقبة الأفلام بالأبيض والأسود، حين ظهر فنانون سودانيون في تجارب سينمائية مصرية، مثل الفنان الذري إبراهيم عوض الذي قدم تابلوهات غنائية استعراضية لافتة، من أبرزها أغنية "أظهر وبان عليك الأمان"، في فيلم " إسماعيل يس طرزان"، من كلمات الشاعر المصري فتحي قورة وألحان الموسيقار السوداني برعي محمد دفع الله في 1958، إلى جانب مشاركات أخرى ضمت عميد الفن السوداني، أحمد المصطفى و الشحرورة صباح في أغنية "رحماك يا ملاك"، وهي أعمال تعكس انفتاح السينما المصرية مبكراً على الصوت السوداني.
غير أن ما يصفه الصاوي بالتجربة الأكثر توازناً فنياً، كان فيلم "رحلة عيون"، 1983 للمخرج السوداني أنور هاشم ، الذي جمع بين الفنان السوداني صلاح بن البادية، و الكوميديان السوداني الشهير الفاضل سعيد، بمشاركة مصرية لافتة تمثلت في الفنانة سمية الألفي والعملاق محمود المليجي، حيث بدا التكامل واضحاً في توزيع الأدوار وبناء الحكاية.
"عرق البلح"... محطة مفصلية في التمثيل
ويستدعي الصاوي نموذج فيلم "عرق البلح"، بوصفه محطة مفصلية، إذ منح المخرج رضوان الكاشف، الفنانة السودانية الرائدة فائزة عمسيب مساحة حقيقية لتقديم قدراتها بعيداً عن الأدوار الهامشية، كما برز حضور الفنان محمد السني دفع الله في أعمال المخرج السينمائي سعيد حامد بصورة أساسية لا تكميلية في إشارة إلى دوره في فيلم "حب في الثلاجة" رفقة النجم الكبير يحيى الفخراني. ومهد "حب في الثلاجة" الطريق، أمام، السني دفع الله للظهور مع الزعيم عادل إمام في الفيلم الشهير "الإرهاب والكباب".
وفي السياق الدرامي، يلفت الناقد السوداني مصعب الصاوي إلى مسلسل :الخواجة عبد القادر"، بطولة يحيى الفخراني، الذي استعان بعدد من الممثلين السودانيين، ليس بدافع التنوع الشكلي، بل استجابة لطبيعة النص وبيئته الصوفية المرتبطة بالسودان، حيث فرضت السردية نفسها هذا الحضور.
ملاحظات نقدية
في المقابل، يطرح الصاوي ملاحظات نقدية على بعض التجارب السودانية، مثل مسلسل أمير الشرق "عثمان دقنة"، الذي شارك فيه ممثلون مصريون بإنتاج سوداني، مشيراً إلى أن تجسيد الشخصيات التاريخية يتطلب دقة في اختيار الممثل، سواء من حيث الانتماء الثقافي أو حتى الأبعاد الجسدية التي تعكس ملامح الشخصية الحقيقية.
ويخلص إلى أن بريق الوجوه السودانية في الدراما المصرية لا يتحقق بالمصادفة، بل حين يكون حضورها نابعاً من ضرورة فنية حقيقية، ضمن بناء درامي متماسك، لا يختزلها في أدوار عابرة أو توظيف شكلي.
وفي استكمال لهذه القراءة، يلفت الناقد مصعب الصاوي إلى أن مسار التبادل لم يكن في اتجاه واحد، إذ شهدت الساحة السودانية بدورها حضوراً مصرياً فاعلاً داخل أعمالها المحلية. ومن بين أبرز النماذج فيلم "أبيض وأسود" الذي قام ببطولته عثمان حميدة أحد أعمدة الفن في السودان، إلى جانب الفنان السوداني النشأة المصري الجنسية إبراهيم خان.
"تور الجر في العيادة"
كما يبرز فيلم "تور الجر في العيادة" لعثمان حميدة أيضاً بوصفه تجربة لافتة، حيث جسد إبراهيم خان فيه شخصية الطبيب، في أداء يعكس هذا التداخل المركب بين الهويتين السودانية والمصرية، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل في التكوين الإنساني والفني للفنان نفسه.
ويعزز هذا المثال ما يذهب إليه الصاوي من أن العلاقة بين الدراما في البلدين ظلت قائمة على أخذٍ وعطاء، تتجاوز الحدود الجغرافية، وتؤكد أن نجاح هذه التجارب يظل مرهونًا بمدى صدقها الفني وانسجام عناصرها، لا بمجرد حضور أسماء من هذا الطرف أو ذاك.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
محمد رمضان يردّ على جدل إطلالته في أميركا ويكشف مفاجأة
شقيق ياسمين عبد العزيز يشعل مواقع التواصل حول تعاونها مع محمد رمضان
أرسل تعليقك