الذكاء الاصطناعي وسوق العمل فجوة النوع الاجتماعي في إدراك المخاطر
آخر تحديث GMT22:11:20
 العرب اليوم -

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل فجوة النوع الاجتماعي في إدراك المخاطر

 العرب اليوم -

 العرب اليوم - الذكاء الاصطناعي وسوق العمل فجوة النوع الاجتماعي في إدراك المخاطر

الذكاء الاصطناعي
لندن ـ العرب اليوم

غالباً ما يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة في الإنتاجية قادرة على رفع الناتج الاقتصادي، وتسريع الابتكار، وإعادة تشكيل طريقة إنجاز العمل. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الجمهور لا ينظر إلى وعود الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، وأن المواقف تجاه هذه التقنية تتأثر بقوة بعامل النوع الاجتماعي، لا سيما عندما تكون آثارها على الوظائف غير مؤكدة.

وتخلص الدراسة إلى أن النساء مقارنة بالرجال ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، وأن دعمهن لاعتماد هذه التقنيات يتراجع بوتيرة أشد عندما تنخفض احتمالات أن تؤدي إلى مكاسب صافية في الوظائف. ويحذر الباحثون من أنه إذا لم تُؤخذ المخاوف الخاصة بالنساء في الاعتبار ضمن سياسات الذكاء الاصطناعي، وخاصة ما يتعلق باضطراب سوق العمل، وتفاوت فرص الاستفادة، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة القائمة بين الجنسين، وربما إلى رد فعل سياسي مضاد للتكنولوجيا.
فجوة لا ترتبط بالمعرفة فقط

تنطلق الدراسة من فكرة بسيطة هي أن فوائد الذكاء الاصطناعي وتكاليفه لن تتوزع بالتساوي على الجميع. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، قد تُعزَّز بعض الوظائف وتُعاد صياغة أخرى، بينما قد تختفي وظائف بعينها، أو تتراجع أهميتها. وتشير الدراسة إلى أن النساء ممثلات بنسبة أعلى في وظائف إدارية وكتابية وخدمية يُحتمل أن تكون أكثر عرضة للتأثر بالتقنيات الآلية. وفي المقابل، لا تزال النساء أقل تمثيلاً في مسارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وفي مواقع القيادة التي تمنح عادةً فرصاً أفضل للوصول إلى وظائف الذكاء الاصطناعي الأعلى أجراً، وهو ما قد يوسّع فجوة الأجور بين الجنسين مع مرور الوقت.

وترى الدراسة أن هذه الاختلافات الواقعية في التعرض للمخاطر، وفي فرص الوصول إلى المنافع، تنعكس على اختلافات في المواقف. فبحسب أبحاث سابقة، تميل النساء بالفعل إلى مزيد من الشك مقارنة بالرجال تجاه موجات الأتمتة السابقة.

لكن ما لم يكن واضحاً بما يكفي هو: لماذا تستمر هذه الفجوة؟ هنا يأتي طرح الباحثين عامل «المخاطر» في طريقة التعامل معها، وفي مقدار التعرض لها يقدّم تفسيراً إضافياً.

الميل للمخاطرة والتعرّض للمخاطر

تركّز الدراسة على عنصرين: الأول يتعلق بالتوجه نحو المخاطرة (Risk orientation)، أي مدى استعداد الفرد عموماً لتحمل عدم اليقين والمفاضلات ذات النتائج غير المضمونة. والآخر هو التعرّض للمخاطر (Risk exposure)، واحتمال أن يترتب على اعتماد الذكاء الاصطناعي تكلفة مباشرة، أو منفعة مباشرة للفرد، تبعاً لموقعه في سوق العمل، وغيرها من العوامل.

ويفترض الباحثون أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، لأنهن في المتوسط أكثر نفوراً من المخاطرة، ولأنهن أيضاً أكثر تعرضاً لاضطراب الوظائف الناتج عن الذكاء الاصطناعي. وتؤكد الدراسة أن هذه الأنماط لا تُقدَّم بوصفها «سمات فطرية»، بل بوصفها نتاجاً لأعراف اجتماعية، وتعلم اجتماعي، وبُنى وظيفية مترسخة منذ عقود.
تجربة واقعية

لاختبار هذا الطرح، أجرى الباحثون استطلاعاً عبر الإنترنت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستخدام لوحة «YouGov». وبلغت العينة الكاملة 6056 مشاركاً، لكن التحليل في هذه الدراسة يركز على 3049 مشاركاً وُجهت إليهم أسئلة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي (بينما وُجهت المجموعة الأخرى إلى أسئلة مقارنة عن التجارة). وشملت العينة مشاركين من الولايات المتحدة وكندا، وهما دولتان يصفهما الباحثون بأنهما متقاربتان من حيث الأسس المؤسسية وبنية سوق العمل، رغم اختلاف تفاصيل تبني الذكاء الاصطناعي وتنظيمه.

قاس الباحثون «تصور خطورة الذكاء الاصطناعي» عبر سؤالين على مقياس من 11 نقطة. سُئل المشاركون عن مدى رؤيتهم حول هل مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي تفوق فوائده بالنسبة لك شخصياً؟ وهل تفوق فوائده بالنسبة لمجتمعك؟ ثم جرى دمج الإجابتين في مؤشر واحد.

ولقياس التوجه نحو المخاطرة استخدمت الدراسة سؤالاً شائعاً في أبحاث المخاطر: هل تفضّل ربحاً مضموناً قدره 1000 دولار؟ أم احتمالاً بنسبة 50 في المائة لربح 2000 دولار؟ ويفترض أن اختيار الألف المضمونة يشير إلى نفور أعلى من المخاطرة.

أما قياس التعرض للمخاطر فكان أكثر تعقيداً لأن آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق العمل لا تزال غير محسومة. لذلك استخدمت الدراسة التعليم بوصفه مؤشراً عاماً على مدى الاستعداد للاستفادة من التحولات التقنية، مع اختبارات إضافية لمقاييس مرتبطة بالتعرض المهني للأتمتة والذكاء الاصطناعي على عينات فرعية من العاملين.

كما تضمن الاستطلاع تجربة مسحيّة مُسجَّلة مسبقاً تغير مستوى المخاطرة الاقتصادية في سيناريو تبني الشركة للذكاء الاصطناعي. قرأ المشاركون حالة عن شركة تتبنى أدوات ذكاء اصطناعي توليدي، ثم قُدِّمت لهم احتمالات مختلفة (تعيين عشوائي) بأن يؤدي ذلك إلى مكاسب صافية في التوظيف. تراوحت الاحتمالات بين 100 في المائة (مكاسب مؤكدة) و70 في المائة و50 في المائة و30 في المائة (مستوى مخاطرة مرتفع)، ثم طلب منهم تأكيد أو رفض قرار الشركة.

ما النتيجة الأبرز؟

أظهرت النتائج أن النساء أكثر ميلاً من الرجال للقول إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده. وتشير الدراسة إلى أن نسبة من ترى المخاطر أعلى من الفوائد تزيد لدى النساء بنحو 11في المائة مقارنة بالرجال، وهي فجوة تقارب حجم الفجوة المعروفة في مواقف الجنسين تجاه التجارة، وهي قضية تؤثر تاريخياً على النقاشات السياسية، والقرارات التنظيمية.

وعند التعمق، يظهر أن هذه الفجوة ترتبط بقوة بالتوجه نحو المخاطرة. فبين المشاركين الأكثر ميلاً لتحمل المخاطرة، تتراجع الفجوة بين النساء والرجال بشكل كبير، أو تتلاشى. بينما تكون الفجوة الأوضح بين من يفضّلون اليقين. يعني هذا أن النفور العام من المخاطرة يضاعف الحذر من تقنية ذات نتائج اقتصادية غير مؤكدة.

كما تشير النتائج إلى دور التعرض للمخاطر، حيث مالت النساء إلى رؤية الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة من الرجال في كل من فئات التعليم الجامعي وغير الجامعي، وهو ما ينسجم مع كونهن أكثر تمركزاً في وظائف قد تكون أكثر عرضة للأتمتة، وأقل وصولاً لمسارات العمل الأعلى ربحاً في مجالات الذكاء الاصطناعي.
دليل تجريبي

تظهر التجربة المسحيّة أن كلا من الرجال والنساء يقللون دعمهم لاعتماد الذكاء الاصطناعي عندما تنخفض احتمالات المكاسب الصافية في الوظائف. لكن دعم النساء يتراجع بسرعة أكبر عندما يصبح السيناريو أكثر خطورة. فعند مستوى المخاطرة الأعلى حيث تكون احتمالية المكاسب الصافية في الوظائف 30 في المائة فقط يكون دعم النساء أقل بشكل واضح من دعم الرجال. أما عندما تكون المكاسب مؤكدة بنسبة 100 في المائة، فتتقلص الفجوة بين الجنسين ولا تعود ذات دلالة إحصائية بحسب ما تذكر الدراسة. بمعنى آخر: النساء لسن «ضد الذكاء الاصطناعي» بالمطلق، لكن دعمهن يبدو أكثر ارتباطاً بمدى وضوح الفائدة الاقتصادية، وتأكدها.
من يعرف أكثر؟

حللت الدراسة أيضاً إجابات مفتوحة حول أكبر فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره باستخدام نمذجة موضوعات نصية. وظهرت فروق نوعية، إذ عبّرت إجابات النساء بدرجة أكبر عن عدم اليقين («لا أعرف») وعن الشك في وجود فوائد اقتصادية واضحة. في المقابل، ركّزت إجابات الرجال أكثر على الإنتاجية والكفاءة، وتحسين العمليات الاقتصادية.

أما بشأن المخاطر، فقد ركّزت إجابات النساء أكثر على فقدان الوظائف والبطالة، بينما ركّزت إجابات الرجال أكثر على الاستخدامات الخبيثة، والمخاطر المجتمعية الأوسع. ويعزز ذلك استنتاج الدراسة بأن النساء في المتوسط يضعن الوزن الأكبر للمخاطر الاقتصادية، ويعبّرن عن قدر أعلى من عدم اليقين بشأن مكاسب الذكاء الاصطناعي.
أهمية البحث

ترى الدراسة أن هذه الفروق ليست اجتماعية فقط، بل سياسية أيضاً. فإذا انعكس انخفاض دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي على انخفاض استخدامهن لأدواته في العمل، فقد يتراجع حضور النساء في مسار تطوير هذه التقنيات وحوكمتها في وقت تتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وهذا يعني أن مخاوف النساء قد لا تُدمج بالقدر الكافي في التصميم، والضمانات وقرارات النشر والتشغيل.

كما تشير الدراسة إلى أن المواقف من الذكاء الاصطناعي قد تصبح أكثر تسييساً. فإذا كانت النساء أكثر دعماً للتدخل الحكومي لإبطاء التبني تحت سيناريوهات فقدان الوظائف، فإن ذلك قد يفتح فرصاً سياسية: قد يتبنى بعض السياسيين سياسات حماية وتنظيم لجذب أصوات النساء، أو قد تُستخدم مشاعر الحذر تجاه الذكاء الاصطناعي أداة تعبئة انتخابية.

لا تقول الدراسة إن النساء يرفضن التقنية لكونها «تقنية»، بل تشير إلى أنهن يستجبن لمشهد مخاطر تكون فيه الرهانات غير متساوية، حيث تختلط وعود الذكاء الاصطناعي بآثار وظيفية غير مؤكدة، وبفرص استفادة غير متكافئة. وبالنسبة للحكومات والمؤسسات التي تدفع نحو تبنٍ سريع، فإن الرسالة تبدو واضحة، وهي أن سياسات الذكاء الاصطناعي التي تتجاهل التعرض غير المتساوي لفقدان الوظائف، وتفاوت الوصول إلى فرص العمل عالية القيمة، واختلاف إدراك المخاطر، قد تعمّق عدم المساواة، وتضعف الثقة العامة. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه المخاوف عبر حماية القوى العاملة، ومسارات إعادة التأهيل، وتقليل التحيز في الأنظمة، وحوكمة شاملة قد تكون ضرورية ليس فقط للعدالة، بل للحفاظ على شرعية التحول مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للاقتصاد.

قد يهمك أيضا

«نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

 

الصين تستفيد من أبحاث أميركية ممولة في مجال التكنولوجيا النووية

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل فجوة النوع الاجتماعي في إدراك المخاطر الذكاء الاصطناعي وسوق العمل فجوة النوع الاجتماعي في إدراك المخاطر



أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - العرب اليوم

GMT 03:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
 العرب اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 16:41 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

روبيو يشترط إدراج الصواريخ في أي محادثات مع إيران

GMT 06:43 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

عطل تقني واسع يضرب خدمات شات جي بي تي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab