الخرطوم - العرب اليوم
لم يكن استئناف الدراسة خياراً سهلاً للتوأم السوداني إكرام ومكارم، بعد نجاتهما من قصف استهدف مدرستهما الثانوية في مدينة الأبيّض شمال ولاية شمال كردفان في أغسطس/آب 2024، وأسفر عن مقتل معلمتهن وعدد من زميلاتهن وإصابة عشرات الطالبات، من بينهن مكارم.
ورغم الصدمة والخسارة، أصرت الشقيقتان على العودة إلى مقاعد الدراسة، وفاءً لذكريات صديقاتهن ومعلمتهن، وتمسكاً بحلم لم تطفئه الحرب. ففي منزلهما القريب من المدرسة، تروي مكارم كيف واصلت المذاكرة وهي تعاني من إصابة خطيرة، إذ ما زالت شظية مستقرة في رأسها ولا يمكن إزالتها جراحياً. وتقول إنها كانت تذاكر لساعات قصيرة بسبب الألم، متوقفة بين الحين والآخر للراحة، لكنها لم تحقق النتيجة التي تطمح إليها لدخول كلية الطب، وهو الحلم الذي وُلد لديها بعدما عايشت رعاية الأطباء لها عقب إصابتها في الكتف.
وتستعيد مكارم لحظات القصف قائلة إنها سمعت صوتاً مدوياً وشعرت بانحراف كتفها، قبل أن ترى الطالبات يسقطن من حولها، مؤكدة أن كثيرات من صديقاتها لقين حتفهن فيما أصيبت أخريات بجروح متفاوتة.
وبعد أكثر من عام على الهجوم، عادت الحياة تدريجياً إلى المدرسة التي أعيد تأهيلها وطلاء مبانيها، مع تقديم دعم نفسي للطالبات. ورغم استمرار التهديدات الأمنية في المدينة، واصل عدد كبير من الطالبات تعليمهن، والتحق بعضهن بالجامعة. وفي فناء المدرسة، تلهو الطالبات بلا تردد، مؤكدات أن الخوف لن يوقف حياتهن أو تعليمهن مهما تكررت المخاطر.
وتقف إكرام إلى جانب شقيقتها أمام جدار كُتبت عليه أسماء الطالبات والمعلمات اللواتي قُتلن في القصف، مستحضرة ذكرى معلمتها التي كانت تحثها دائماً على دراسة اللغة الإنجليزية. وفاءً لتلك النصيحة، التحقت إكرام هذا العام بالجامعة وبدأت دراسة اللغة الإنجليزية، أملاً في أن تصبح معلمة تواصل رسالة أستاذتها الراحلة.
وتقول الشقيقتان إن العودة إلى المدرسة لم تكن سهلة، وإن الخوف والذكريات المؤلمة كانا يلازمانهما في الأيام الأولى، إلا أن وجود الصديقات والدعم النفسي ساعدهما على تجاوز الصدمة. وتوضح إدارة المدرسة أن استئناف الدراسة كان تحدياً كبيراً للمعلمين والطالبات، خاصة المصابات، حيث جرى تخصيص غرف مزودة بأسِرّة لتمكينهن من أداء الامتحانات، ونجحت معظم الطالبات في اجتيازها، وحققت بعضهن نتائج أهلتهن للالتحاق بالجامعة.
وتأتي هذه القصص في وقت تعاني فيه مدينة الأبيّض من تبعات الحرب، إذ تحولت عشرات المدارس إلى مراكز لإيواء النازحين، ما فرض تحديات إضافية على العملية التعليمية. ففي بعض المدارس، يتقاسم الطلاب الفصول مع عائلات نازحة، ويواجهون صعوبات في استخدام المرافق الصحية والتنقل داخل المباني.
وتشير السلطات التعليمية إلى أن استمرار التعليم يتم رغم ظروف استثنائية فرضتها الحرب، مع وجود أعداد كبيرة من الأطفال المتسربين من الدراسة، خاصة بين النازحين القادمين من ولايات أخرى. وفي شوارع المدينة، يبرز مشهد الأطفال العاملين والمتشردين كأحد أكثر تداعيات النزاع قسوة.
ورغم هذه التحديات، تواصل إكرام ومكارم وغيرهما من الطالبات التمسك بحقهن في التعليم، معتبرات أن الاستمرار في الدراسة هو شكل من أشكال المقاومة، ورسالة أمل في مستقبل يتجاوز آثار الحرب ويعيد للمدارس دورها الطبيعي كمساحات آمنة للحلم والمعرفة.
قد يهمك أيضــــــــــــــــًا :
الجيش السوداني يتقدم في كردفان وقوات الدعم السريع تحشد حول بابنوسة
الأمم المتحدة تحذر من مقتل 100 شخص في كردفان خلال أسبوعين
أرسل تعليقك